لم تكن ​العقوبات الأميركية​ يوما مجرد عقاب، بل هي سلاح اميركي لفرض الإرادة، والعقوبات الاخيرة في ​لبنان​ تبدو جزءاً من مرحلة جديدة تحاول ​واشنطن​ من خلالها إعادة تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية بالتوازي مع الحرب المفتوحة في المنطقة، ومع المسار التفاوضي الذي تعمل الولايات المتحدة على فرضه بين لبنان و​إسرائيل​ تحت عناوين أمنية وسياسية تتجاوز بكثير مسألة الحدود أو تطبيق ​القرار 1701​.

من الطبيعي أن تواصل واشنطن فرض العقوبات على ​حزب الله​، فهي منذ سنوات تتعامل معه باعتباره تنظيماً إرهابياً، وتبني سياساتها في لبنان والمنطقة على قاعدة محاصرته سياسياً ومالياً وأمنياً. لكن اللافت في العقوبات الأخيرة أنها لم تعد تستهدف فقط البنية التقليدية للحزب أو شبكاته المالية، بل ذهبت نحو شخصيات تؤدي أدواراً سياسية مباشرة وحساسة، من بينها شخصيات تتولى التواصل مع رئاسة الجمهورية أو تشارك في إدارة العلاقة مع مؤسسات الدولة، ما يعكس محاولة أميركية واضحة لعزل الحزب ليس فقط عن الداخل اللبناني وعن أي قناة تواصل رسمية تمنحه هامش تأثير داخل السلطة.

وفي موازاة ذلك، تأتي العقوبات التي طالت عسكريين وضباطاً لبنانيين لتكشف جانباً أكثر خطورة في المقاربة الأميركية الحالية، لأنها تحمل رسالة سياسية مباشرة إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية. الرسالة الأساسية هنا تقوم على منع أي تقاطع أو تنسيق أو تفهّم بين الجيش وحزب الله في مرحلة تعتبرها واشنطن حساسة، خصوصاً مع الحديث المتزايد عن ترتيبات أمنيّة جديدة جنوباً، وعن دور تريد الولايات المتحدة من ​الجيش اللبناني​ أن يؤديه في إطار أي اتفاق أو تفاوض مع إسرائيل.

الأمر يتجاوز فكرة الضغط على أفراد بعينهم، لأنّ واشنطن تدرك جيداً أن الجيش اللبناني ليس مؤسسة منفصلة عن التوازنات الطائفية والسياسية والاجتماعية في البلد، وأن أي محاولة لفرض دور جديد عليه في مواجهة الحزب أو في إدارة واقع أمني جديد جنوباً ستحتاج إلى ضبط البيئة الداخلية داخل المؤسسة نفسها ومنع ظهور اعتراضات أو تباينات يمكن أن تعطّل المشروع الأميركي. لذلك تبدو العقوبات هنا وكأنها عملية ترهيب استباقية ورسالة تقول بوضوح إن أي ضابط قد يرفض الانخراط في هذا المسار أو يعترض عليه أو يحافظ على علاقة غير صداميّة مع حزب الله قد يصبح مستهدفاً شخصياً.

أما في ما يتعلق ب​حركة أمل​، فالصورة لا تقل وضوحاً. عندما أرادت واشنطن توجيه رسائل سياسية إلى رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​، فرضت سابقاً عقوبات على معاونه السياسي ​علي حسن خليل​، في لحظة كانت فيها تسعى للضغط على دور بري السياسي والتفاوضي. أما اليوم، فإن استهداف المعاون الأمني لبري يحمل دلالات إضافية، لأن الرسالة ترتبط مباشرة بموقف رئيس مجلس النواب وحركة امل بخصوص ما يجري اميركيا وإسرائيليا، وبالمرحلة المقبلة وما قد تحمله من توترات داخلية أو مواجهات مرتبطة بالمسار التفاوضي مع إسرائيل.

واشنطن تعرف أن حركة أمل تشكل جزءاً أساسياً من التوازن الشيعي الداخلي ومن شبكة الاستقرار داخل البيئة اللبنانية عموماً، ولذلك فإن الضغط على الجناح الأمني في الحركة يهدف أولاً إلى منع أي احتمال لمشاركة الحركة في أي مواجهة عسكرية ضد إسرائيل، وثانياً إلى تحذيرها من استخدام قوتها السياسية أو الشعبية أو التنظيمية في مواجهة أي تسوية تحاول الولايات المتحدة فرضها على لبنان.

المسألة هنا تتعلق بمشروع سياسي كامل تحاول واشنطن دفع لبنان نحوه، يبدأ بترتيبات أمنية مشتركة، ويمر بإعادة تعريف دور الجيش والمؤسسات الأمنية، وصولاً إلى خلق واقع سياسي جديد يجعل التطبيع أو اللقاءات المباشرة مع المسؤولين الإسرائيليين أمراً ممكناً تحت عنوان الاستقرار أو المصالح اللبنانية أو إعادة الإعمار.