في الظاهر، تبدو المفارقة السياسية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية معقدة وغريبة: يعيش الإسرائيليون منذ عام 2023 سلسلة من الحروب متعددة الجبهات، وخسائر بشرية غير مسبوقة منذ عقود، واهتزازاً أمنياً عميقاً، واتهامات لرئيس الحكومة بالفساد وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومع ذلك يبقى بنيامين نتنياهو ومعسكر اليمين في موقع متقدم انتخابياً، فيما تفشل المعارضة في تحويل الغضب الشعبي إلى تغيير سياسي حاسم. وحتى مع وصول الأزمة أخيراً إلى حدّ طرح مشروع حلّ الكنيست والتلويح بانتخابات مبكرة، لا يبدو أن إسرائيل تتجه تلقائياً نحو إسقاط نتنياهو بقدر ما تكشف عن أزمة أعمق داخل معسكره نفسه.
الخطأ الأساسي في قراءة المشهد الإسرائيلي يكمن في افتراض أن الأزمات الكبرى تنتج تلقائياً انتقالاً نحو المعارضة. فمنذ عملية "طوفان الأقصى" عام 2023 وما تلاها من اتساع للحرب، لم تؤد الصدمة داخل المجتمع الإسرائيلي إلى مراجعة شاملة للخطاب الأمني، بل عززت لدى قطاعات واسعة شعوراً بأن البيئة المحيطة أكثر خطورة مما كان يعتقد. وهكذا لم يعد السؤال المركزي بالنسبة إلى جزء كبير من الإسرائيليين: من أخطأ؟ بل من البديل للحد من الخطر؟. هنا تكمن القوة الأساسية لنتنياهو، فالنظرة إليه لا تقتصر على كونه رئيس حكومة، بل على رأس معسكر سياسي واجتماعي تشكّل عبر عقود، يرى في نفسه ممثلاً لشرائح تشعر تاريخياً بالتهميش من قبل النخب السياسية والقضائيّة والإعلاميّة. لذلك، فإن الهجوم عليه يرتد ايجاباً من حيث قاعدته الشعبية التي ترى ان معسكره الكامل مستهدف.
في المقابل، لم تنجح المعارضة، رغم تحالفاتها المتكررة واستعانتها بشخصيات أمنية مثل غادي آيزنكوت أو بيني غانتس، في تقديم رواية سياسية مختلفة بصورة واضحة. فهي تركّز على فشل نتنياهو أو مسؤوليته عن الاخفاقات الامنية، لكنها لا تطرح تصوراً مغايراً لطبيعة الصراع أو لمستقبل السياسة الامنية الاسرائيلية. ومع تقارب مواقف معظم القوى الكبرى حول القضايا الامنية، يجد الناخب الاسرائيلي نفسه أمام اختلاف في الأشخاص اكثر منه اختلافاً في الخيارات الاستراتيجية.
لكن الخلاف حول قانون إعفاء "الحريديم" من الخدمة العسكرية، اعطى الازمة بعداً آخر، وكشف حدود قدرة نتنياهو على إدارة التناقضات داخل معسكره. ومع تصاعد الاستنزاف البشري للحرب، بات جزء متزايد من المجتمع الإسرائيلي ينظر إلى استمرار الإعفاءات باعتباره عبئاً يصعب تبريره سياسياً وأخلاقياً، ما وضع الأحزاب الدينية في مواجهة ضغط غير مسبوق.
ورغم أن التصويت التمهيدي على مشروع حلّ الكنيست شكّل ضربة سياسية لنتنياهو، فإنه لم يتحول حتى الآن إلى لحظة انهيار حاسمة. فالأحزاب "الحريدية" تدرك أن إسقاط الحكومة قد يهدد نفوذها ومكتسباتها، فيما تخشى قوى اليمين المتشدد من أن يؤدي تفكك الائتلاف إلى صعود حكومة وسطية أو إلى مرحلة من عدم اليقين السياسي. لذلك تبدو الأزمة الحالية أقرب إلى محاولة ضغط متبادل داخل المعسكر الواحد منها إلى انقلاب سياسي كامل عليه.
وفي الوقت نفسه، لم يعد الانقسام الإسرائيلي التقليدي قائماً بين "يمين ويسار" بالمعنى القديم، بل بات اقرب الى صراع يدور داخل اليمين نفسه. فشخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لا تعارض نتنياهو لأنه متشدد، بل لأنها ترى أنه لا يذهب بعيداً بما يكفي. وهذا يعكس توجهاً عاماً نحو مزيد من التشدد بعد سنوات الحرب والاستنزاف.
أما على المستوى القانوني، فقد تحولت محاكمات نتنياهو بتهم الفساد من معركة قضائية إلى معركة هوية سياسية. فبدلاً من أن تؤدي إلى عزله، نجح في تقديم نفسه بوصفه ضحية لمؤسسات قضائية وإعلامية تحاول إسقاط زعيم يميني منتخب. وفي هذا السياق، لعب الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ دوراً حذراً من خلال عدم الموافقة بعد على منح رئيس الوزراء عفواً.
من هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم ما إذا كان نتنياهو سيبقى أو يرحل، بل ما إذا كانت إسرائيل تدخل مرحلة إعادة تشكيل كاملة لمركزها السياسي والاجتماعي. فالأزمة الحالية لا تكشف فقط هشاشة الائتلاف الحاكم، بل أيضاً أن المجتمع الإسرائيلي نفسه يتحرك نحو بنية سياسية أكثر يمينية، وأكثر تشدداً، وأقل قابلية للعودة إلى التوازنات التي حكمت إسرائيل خلال العقود السابقة.





















































