عندما سيتمّ الإعلان رسميًا عن بنود مُذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية يُصبح تقييم مُخرجات ما حدث أكثر دقّة وصوابيّة. لكن بالانتظار وفي قراءة تحليليّة أوّلية، يمكن أخذ فكرة عن ميلان كفّة ميزان الربح والخسارة في الحرب الأخيرة التي أرهقت الشرق الأوسط، وانعكست بارتداداتها المالية السلبية على العالم أجمع. فمن هو الرابح ومن هو الخاسر؟
بشكل مباشر وسريع، من المُمكن القول إنّ أميركا هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب! صحيح أنّ المواجهات القتالية دارت خارج أراضيها، والأضرار التي لحقت بقواعدها العسكرية في المنطقة وبسفنها وطائراتها محدودة، والإصابات في صفوف عسكريّيها معدودة أيضًا، لكنّ الأصحّ أنّ الأذى الذي لحق بواشنطن على الصعيدين السياسي والمعنوي كبير. وفي هذا السياق، إنّ فتح مضيق هرمز في مقابل رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية ليس إنجازًا، باعتبار أنّ المضيق كان مفتوحًا قبل الحرب، وقد أجادت القيادة في طهران استعمال ورقة إقفاله للتسبّب بأزمة عالمية كبرى قادت في نهاية المطاف إلى وقف الهجمات عليها. وبالنسبة إلى ما يُحكى عن تعهّدات إيرانية واضحة بعدم امتلاك السلاح النووي، فإنّ التفاصيل مرتبطة بمفاوضات ستجري على مدى شهرين كاملين، بأقلّ تقدير. وإذا كانت إيران لم تُقدّم أي تنازل جِدّي في السابق في هذا الملف، لا قبل حرب حزيران 2025 عليها، ولا بعدها، ولا خلال حرب الأربعين يومًا الأخيرة، فإنّ لا شيء يضمن أن تقوم بذلك في جولات التفاوض الجديدة المُقبلة! من جهة أخرى، إنّ ما يُحكى عن مطلب أميركي يقضي بوقف تمويل طهران لجماعات إقليمية مُسلّحة غير واقعي، ولا يُمكن مراقبة الالتزام به بأيّ شكل من الأشكال. أكثر من ذلك، إنّ أي تنازل من جانب طهران، في مُطلق أيّ ملف، ستقابله تعويضات ماليّة كبيرة لصالحها. لكل ما سبق لا يبدو أنّ أميركا حقّقت أيّ مكاسب مهمّة-أقلّه حتى تاريخه، والاتفاق "العظيم" الذي تحدّث عنه الرئيس دونالد ترامب ما هو إلا تسوية مُوَقَّتة، في محاولة لخفض أسعار الطاقة، سعيًا لامتصاص غضب الأميركيّين مع اقتراب الانتخابات الأميركية النصفيّة.
بالانتقال إلى إيران، فهي بالتأكيد لم تُهزَم في الحرب، على الرغم من كل الخسائر البشريّة والمادية التي لحقت بها. صحيح أنّ أركان النظام الإيراني وقادته ومرشده تعرّضوا للاغتيال، لكن حكم "الحرس الثوري" ما زال قائمًا، وقبضته على السُلطة متماسكة حتى إشعار آخر. وصحيح أنّ الكثير من المواقع الأمنيّة والمراكز الحيويّة والمصانع والتجهيزات العسكريّة تعرّضت للتدمير، بشكل كامل أو جزئي، لكنّ الأصحّ أنّ تدفّق الأموال المُرتقب إلى الخزينة الإيرانية من شأنه تمويل عمليّات إعادة الإعمار، مهما تطلّبت من وقت. وإذا كان مخزون الصواريخ الباليستية والمُسيرات قد استهلك بشكل كبير، بفعل الضربات المتتالية والاستعمال المُكثّف، فإنّ أيّ فترة هدوء قصيرة كفيلة بإعادة تصنيع واستيراد ما يلزم من أسلحة، تحضيرًا لجولات قتالية مُستقبليّة. وليس بسرّ أنّ إيران تُتقن لعبة المناورة خلال المفاوضات، لجهة المماطلة وتضييع الوقت، والتهرّب من الالتزامات والالتفاف عليها، الأمر الذي يعني أنّ كل ما تأمل الإدارة الأميركية انتزاعه من تنازلات في الشهرين المقبلين قد لا يتحقّق، ما يستوجب تمديد المهل مرّة بعد مرّة، وُصولًا ربما إلى تبدّل كل المعطيات الميدانية والتوازنات القائمة ككلّ.
بالنسبة إلى إسرائيل، فهي بدورها لا تُعدّ خاسرة إطلاقًا، حيث أنّها قامت باستدراج حليفها الأميركي إلى حرب ضارية أرهقت إيران، وباستغلال الأجواء الأمنيّة المتدهورة في الإقليم، لتوسيع سيطرتها على مساحات جغرافية مهمّة، انطلاقًا من الأراضي الفلسطينية في غزّة، مرورًا بالجنوب السوري، وُصولًا إلى الجنوب اللبناني. وفي حال استطاعت الحكومة التي يرأسها بنيامين نتنياهو التفلّت من الشروط التي يُحاول الرئيس ترامب إلزامه بتطبيقها، بفعل تقديم المصالح الأميركية على تلك الإسرائيليّة، فإنّ تل أبيب تكون قد ثبّتت أقدامها أكثر على مستوى الإقليم. وكل الخسائر والأضرار التي تعرّضت لها، تبقى مقبولة جدًا نسبة إلى الإنجازات الميدانية التي حقّقتها في المرحلة الأخيرة، بشرط أن تتمكّن من ترجمة الانتصارات العسكرية إلى أرباح سياسية. وإضافة إلى الجُسور الجويّة التي مدّتها بها واشنطن، لجهة نقل كميّات ضخمة من الصواريخ والذخائر على دفعات متكرّرة، باتت إسرائيل على طريق الاكتفاء الذاتي بالسلاح، مُستفيدة من أجواء التعبئة والاحتقان التي نجمت من الحروب المتتالية التي خاضتها أخيرًا. وفي هذا السياق، أطلقت حكومة نتنياهو غداة انفجار معركة "طوفان الأقصى" في تشرين الأول 2023، خطة عمل باسم "درع إسرائيل" تقضي بإنتاج كل أنواع الأسلحة والذخائر التي يحتاجها الجيش الإسرائيلي ذاتيًا، ضِمن مهلة زمنيّة تنتهي أواخر العام 2035. وهي تعمل حاليًا على تسريع وتيرة تنفيذ الخطة المذكورة، وعلى مُضاعفة تمويلها، بعد أن أظهرت الحرب ضُدّ إيران، وما تلاها من تسويات، أنّه حتى الحليف الأميركي الأقرب إلى إسرائيل، يُمكن أن يُقدّم مصالحه الاستراتجية عليها، الأمر الذي يستوجب التمتّع بالاستقلالية التامة في إنتاج السلاح والذخائر.
باختصار، الأكيد أنّ إيران وإسرائيل لم تخسرا-أقلّه حتى هذه اللحظة، حيث أنّ طهران كانت في موقع دفاعي، وقد نجحت فيه إلى حدّ بعيد، وتل أبيب كانت في موقع هُجومي، وقد نجحت فيه بنسبة جيّدة أيضًا. وحده الموقف الأميركي يبدو مُحرجًا في تبرير مُسبّبات الحرب، وفي إبراز نتائجها المفيدة لواشنطن، على الرغم من كثرة تصاريح ترامب التي تُصنّف في خانة البهلوانيات السياسية والتُرّهات الإعلامية لا أكثر!