بدا الاتفاق الأميركي-الإيراني، منذ اللحظة الأولى للإعلان عنه، أكبر من اتفاق ثنائي وأقل من تسوية إقليمية مكتملة. هو أوقف شيئًا من النار، لكنّه فتح كثيرًا من الأسئلة، خصوصًا في لبنان، حيث لا يكفي أن يرد اسم البلد في مذكرة تفاهم حتى تصبح الحرب قابلة للإقفال. فما كُتب في الغرف المغلقة يحتاج إلى من يترجمه على الأرض، وما يعلنه الوسطاء يحتاج إلى من يملك القدرة على إلزام اللاعبين به، من الحدود الجنوبية إلى طاولة القرار في بيروت.
في لبنان تحديدًا، ظهرت المشكلة قبل أن يُختبر الاتفاق عمليًا. فإيران تتعامل مع إدراج لبنان في التفاهم بوصفه جزءًا من معادلة وقف الحرب، والدولة اللبنانية ترى فيه فرصة مشروطة بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وانتشار الجيش وعودة النازحين، فيما تتصرف إسرائيل على أساس أنها غير معنية إلا بما تعتبره أمنها العسكري المباشر.
وسط هذه القراءات المتناقضة، جاءت كلمة الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم لتؤكد أن المعركة المقبلة قد لا تدور حول وقف النار وحده، إنما حول الجهة التي تملك حق تفسيره. بهذا المعنى، لا تكمن أهمية الكلمة في سقفها العالي فقط، ولا في توصيفها المشروع الإسرائيلي بوصفه مشروعًا يتجاوز الحرب العسكرية إلى استهداف مكوّن لبناني بكامله، سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا.
الأهمية الأبرز أنها رسمت حدودًا واضحة لما يقبله الحزب من أي مسار تفاوضي، وما يرفض أن يتحول إلى باب خلفي لإعادة ترتيب الداخل اللبناني تحت ضغط النار. من هنا، يصبح الاتفاق الأميركي-الإيراني، بالنسبة إلى لبنان، نصًا مفتوحًا على أكثر من امتحان: امتحان وقف النار، امتحان الانسحاب، امتحان الدولة، وامتحان التوازن الداخلي الذي تحاول كل جهة أن تقرأه انطلاقًا من موقعها لا من نص موحّد.
اتفاق واحد وقراءات متعددة
مع تداول نص الاتفاق، بات واضحًا أن لبنان حاضر فيه بصورة مباشرة، إذ ينصّ أحد بنوده على أن الولايات المتحدة وإيران ستعملان على "وقف دائم لإطلاق النار بين إسرائيل ولبنان"، فيما يربط بند آخر ذلك بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية، وعودة النازحين إلى مناطقهم.
غير أن وضوح النص، في حال تثبيته بصيغته المتداولة، لا يلغي الأسئلة المتعلقة بالتنفيذ: هل تملك واشنطن القدرة فعلًا على إلزام إسرائيل بكل هذه الالتزامات؟ وهل يُترجم وقف النار إلى إنهاء كامل للعمليات العسكرية أم إلى ترتيبات أمنية قابلة للتأويل؟ وما هي الآليات التي ستضمن تنفيذ الانسحاب ومنع العودة إلى التصعيد؟
التجربة اللبنانية مع الاتفاقات السابقة لا تشجّع على الثقة السريعة. ففي أكثر من محطة، كان النص أقل أهمية من طريقة تطبيقه، وكانت الهوامش التي تُترك في الصياغات تتحول لاحقًا إلى ذرائع ميدانية وسياسية. وبالفعل، إسرائيل نجحت مرارًا في التعامل مع وقف النار كإطار يسمح لها باستمرار الضربات تحت عناوين أمنية مختلفة، وهو ما فعلته بعد قرار مجلس الأمن 1701 عام 2006، وما كرّسته بصورة أوضح في المرحلة التي أعقبت اتفاق تشرين الثاني 2024. وفي المقابل، يتعامل "حزب الله" مع أي وقف للنار على قاعدة التبادل، بمعنى أنّ لا تهدئة من طرف واحد إذا بقيت إسرائيل تضرب وتحتل وتمنع عودة الأهالي.
هذا ما يجعل لبنان أمام اتفاق لم يكتبه، لكنه معني بدفع ثمن أي ثغرة فيه. فالدولة اللبنانية لم تكن الطرف الذي فاوض على الصياغة الكبرى، لكنها ستكون مطالبة بترجمة نتائجها داخليًا. والحزب لم يكن جالسًا إلى الطاولة، لكنه يملك القدرة على تعطيل أي تفسير لا يوافق عليه ميدانيًا وسياسيًا. أما إسرائيل، وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في التفاهم الأميركي-الإيراني، فتحتفظ لنفسها بحق تحديد ما إذا كان وقف النار يقيّدها أو يترك لها هامش العمل العسكري.
تفسير "حزب الله" للاتفاق
من هذه الزاوية، لم تكن كلمة الشيخ نعيم قاسم مجرد موقف تعبوي بعد الاتفاق، إنما محاولة مبكرة لقطع الطريق على قراءة لبنانية أو خارجية قد تجعل من وقف النار مدخلًا إلى بحث ملف السلاح. فحين يقول إن سقف المفاوضات مع إسرائيل هو "الأمن المتبادل"، وإن أي مشروع تحت عنوان نزع السلاح لن يمر، فهو لا يناقش شروط التهدئة فقط، وإنما يرسم حدود وظيفة الدولة في المرحلة المقبلة كما يراها الحزب.
المعادلة التي طرحها قاسم واضحة: على لبنان أن يفاوض إسرائيل، مباشرة أو غير مباشرة، من موقع المطالب لا من موقع التنازلات. وهذه المطالب أصبحت معروفة للجميع، بدءًا من وقف العدوان، مرورًا بالانسحاب، وصولًا إلى الأسرى وعودة الأهالي وانتشار الجيش وفق ما تنص عليه التفاهمات السابقة. أما كل ما يتصل بترتيب الوضع الداخلي، فيجب أن يبقى خارج هذا المسار وفقًا لمنطق قاسم. بهذا المعنى، لا يرفض الحزب التفاوض من حيث المبدأ، لكنه يرفض تحويله إلى منصة لإدخال السلاح إلى جدول أعمال خارجي.
أكثر ما يلفت في الكلمة كان رفض "المناطق التجريبية" والمناطق الآمنة لإسرائيل، أيًا يكن اسمها أو شكلها. ويأتي هذا الموقف في مواجهة طروحات برزت خلال الفترة الأخيرة، تقوم على اعتماد ترتيبات محدودة النطاق في الجنوب، تُطرح كمرحلة اختبار لمدى قدرة الدولة والجيش على الإمساك بالأرض وإدارتها أمنيًا، تمهيدًا لتوسيعها لاحقًا. ويرى الحزب أن مثل هذه المقاربات قد تفتح الباب أمام تكريس واقع أمني جديد يشبه المنطقة العازلة، أو تؤدي عمليًا إلى التعامل مع أجزاء من الأراضي اللبنانية بمعايير مختلفة تحت ذرائع أمنية.
هنا تتداخل المخاوف الداخلية مع الحسابات الخارجية. فالدولة تحتاج إلى صيغة تُعيد لها حضورها جنوب الليطاني من دون انفجار داخلي، والحزب يريد أن يثبت أنه لم يخرج من الحرب إلى موقع الدفاع السياسي، وإسرائيل تبحث عن ترتيبات تمنحها أمنًا بلا ثمن سياسي كبير. أما واشنطن، فتبدو معنية بإنهاء الحرب الواسعة من دون أن تغلق كل ملفات الاشتباك في لبنان.
أي دور لسوريا؟
لا يقتصر الجدل على كيفية تطبيق وقف إطلاق النار داخل لبنان، إذ يمتد إلى البيئة الإقليمية المحيطة به، ولا سيما بعد الإشارات الأميركية إلى إمكان إعادة توزيع الأدوار في المنطقة عقب الاتفاق مع إيران.
من هنا، يكتسب كلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن سوريا ودورها المحتمل في التعامل مع "حزب الله" أهمية إضافية، لأنه أوحى بأن المقاربة الأميركية لا تنظر إلى الملف اللبناني بمعزل عن التحولات الجارية في الإقليم. فالنقاش خرج من حدود الجنوب والتفاوض اللبناني-الإسرائيلي، وصار مرتبطًا أيضًا بالشبكة الأوسع من الترتيبات التي قد تشمل دول الجوار.
وهنا، يرى البعض أن طرح دور سوري، حتى لو بقي ملتبسًا أو غير قابل للتنفيذ في المدى القريب، يعني أن ملف الحزب يُقرأ من زاوية أوسع من الجنوب، ومن زاوية الطوق الإقليمي الذي يمكن أن يُعاد ترتيبه بعد الاتفاق مع إيران. وهذا ما يتيح فهم جانب من تشدد قاسم في توصيف المعركة كمعركة وجودية. فالحزب يرى أن إسرائيل لم تفشل في تحقيق هدف عسكري فحسب، وإنما تحاول استكمال ما لم تحققه الحرب عبر السياسة والتفاوض والضغوط الإقليمية.
لذلك، لا يمكن فصل حديثه عن "إبادة شريحة" و"نقلها" و"اقتلاعها" عن رفضه المفاوضات المباشرة، ورفضه إدخال القضايا الداخلية في أي تفاوض مع إسرائيل. المسألة عنده ليست ترتيبًا أمنيًا محدودًا، وإنما منع تحويل الهزّات الإقليمية إلى مشروع لإعادة صياغة الداخل اللبناني.
في المقابل، لا تستطيع الدولة اللبنانية تجاهل أن أي اتفاق لا يمر عبرها سيزيد أزمتها. فإذا تركت تفسير وقف النار لطهران وواشنطن وتل أبيب والضاحية، ستجد نفسها في موقع المتلقي لا المقرر. وإذا حاولت الذهاب بعيدًا في تفاوض لا يملك غطاء داخليًا، ستصطدم بواقع أن القوة الفعلية على الأرض لا تزال جزءًا أساسيًا من المعادلة. لذلك، تبدو مهمة بيروت أصعب من إعلان الترحيب بالاتفاق: عليها أن تنتزع نسخة لبنانية واضحة منه، قابلة للتنفيذ، وغير قابلة لاستخدامها ضد الداخل.
بهذا المعنى، لا يبدأ الاختبار المقبل من توقيع الاتفاق أو الاحتفال به، بل من تحديد الجهة التي ستفرض تفسيرها له في لبنان. فإذا قرأته إيران كاتفاق يفرض انسحاب إسرائيل، وقرأته إسرائيل كهدنة لا تمنعها من الضرب، وقرأته واشنطن كإطار قابل للتعديل والضغط، وقرأه "حزب الله" كفرصة لوقف العدوان مع تحييد السلاح عن أي تفاوض، فإن البلاد ستكون أمام وقف نار هشّ يولّد نزاعات جديدة بدل أن ينهي الحرب.
قد تكون الفرصة لا تزال قائمة، لكنّ الفرص في لبنان تضيع غالبًا عندما تُترك النصوص غامضة، وعندما تتحول السيادة إلى عبارة يكررها الجميع بمعانٍ متناقضة. وهكذا، فإنّ الاتفاق الأميركي-الإيراني قد يفتح بابًا لتهدئة حقيقية، لكنه قد يصبح أيضًا ساحة جديدة لصراع التأويل. لذلك، تبدو المعركة الأولى اليوم هي معركة المعنى: ماذا يعني وقف النار، ومن يملك أن يقول للبنانيين إن الحرب انتهت فعلًا؟



















































