على وقع السجالات المتواصلة حول الاتفاق الإطاري، سيكون ​لبنان​ في الأيام المقبلة أمام محطات حاسمة، خصوصاً في ظل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، وإن بقيت محدودة نسبياً حتى الآن، إذ يتجنّب "​حزب الله​" الرد عليها في الوقت الراهن، على الرغم من إعلانه معادلة عدم العودة إلى ما قبل الثاني من آذار الماضي، أي حين كانت ​تل أبيب​ تُقدم على الاعتداء دون أن يصدر عنه أي رد.

وبالتوازي، بات من الواضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​ يسعى إلى التملّص من "الموجبات" التي يفرضها عليه الاتفاق الإطاري، من خلال التفسيرات التي يتبنّاها لبنوده، في ظل الضغوط الداخلية المتصاعدة عليه بسبب المنافسة الشرسة المرافقة ل​انتخابات الكنيست​.

في هذا السياق، ترى أوساط سياسية عبر "النشرة" أنه لا يمكن إغفال معطيات جوهرية تتعلق بمحطتَين من المفترض استكمالهما في غضون فترة قصيرة: الأولى مراسم تشييع المرشد الأعلى ال​إيران​ي الراحل السيد ​علي خامنئي​، إذ لم يكن من الوارد أن تذهب طهران إلى أي تصعيد خلال هذه الأيام، وهو ما ينطبق على "حزب الله" أيضاً. وبمجرد انتهاء هذا الاستحقاق، يُتوقع أن تعود إيران إلى التركيز على ملفها المحلي في إطار مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة، فيما لا يمكن استبعاد مبادرة الحزب إلى الرد على الخروقات الإسرائيلية.

والمحطة الثانية لا تقل أهمية، وهي زيارة نتنياهو إلى ​واشنطن​ للاجتماع بالرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، في أعقاب التباينات التي برزت قبل أن تتلقى تل أبيب تعويضاً عن مذكرة التفاهم مع طهران عبر الاتفاق الإطاري مع بيروت. وقد اعتبر نتنياهو هذا الاتفاق انتصاراً له، غير أنه في المقابل يسعى إلى المزيد لجهة آليات التنفيذ وحرية التعامل مع ما يصفه تهديدات، إلى جانب ملفات أخرى يريد التفاهم عليها مع ترامب.

وفي هذا الإطار، يبقى العنوان الرئيسي كيفية تعامل الرئيس الأميركي مع مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي في الملف اللبناني، الذي يمتلك القدرة على عرقلة مسار التفاهمات مع إيران، التي يستبعَد أن تُقدّم تنازلات جوهرية في هذا المجال. ومن ثَم، فإن مزيداً من الضغط على تل أبيب قد يُفضي إلى تداعيات أوسع على مستوى العلاقة بين الجانبَين، لا سيما أن كلّاً منهما يحتاج الآخر في ظل الاستحقاقات الانتخابية المفصلية في البلدَين.

وترى الأوساط السياسية ذاتها أنه لا يمكن في المقابل إغفال أن التغاضي عن ممارسات نتنياهو أو منحه الضوء الأخضر لمزيد من التصعيد في الساحة اللبنانية قد يُعرقل المسار التفاوضي مع طهران الذي يراهن عليه ترامب لتحقيق نتائج مهمة. غير أن ذلك قد لا يعني العودة إلى الأجواء الحربية السابقة بين الولايات المتحدة وإيران، بل مرحلة من المماطلة تمتد إلى ما بعد انتخابات الكنيست في تل أبيب والانتخابات النصفية في واشنطن.

وفي المحصلة، تُشير هذه الأوساط إلى أن هذا الواقع يُعيد إلى الواجهة السؤالَ الجوهري المتعلق بالساحة اللبنانية في هذه المرحلة الحساسة؛ إذ ليست إسرائيل وحدها القادرة على التحكم في مسار الأحداث، بل إن "حزب الله" قد يبادر إلى الرد على الخروقات القائمة، مما يفتح الباب أمام تصعيد يُرجَّح أن يبقى مضبوطاً عبر تدخلات ترامب الساعية إلى الحفاظ على مسار المفاوضات مع طهران، في حال أخفقت الأخيرة في إعادة ضبط الأوضاع وفق رؤيتها.