على وقع عودة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز التحرك الأميركي في العديد من الساحات، أبرزها العراق، سوريا ولبنان، من أجل السعي إلى احتواء نفوذ طهران، كثمرة سياسية لما تحقق على مدى السنوات الماضية على المستوى العسكري، تحديداً منذ عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول من العام 2023.
في هذا السياق، من الممكن الحديث عن عنوان مشترك بين الساحات الثلاث، هو السعي إلى تعزيز سيطرة السلطات الرسمية فيها مقابل الدفع نحو حصر سلاح الفصائل التي تعمل خارج أطرها، وهو ما كان البند الرئيسي على جدول أعمال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، مقابل التركيز على بناء شراكات اقتصادية كبرى بين الجانبين.
هنا، لا يمكن تجاهل أن البيت الأبيض سيكون، في الأيام المقبلة، على موعد مع زيارة سيقوم بها الرئيس جوزاف عون، من المقرر أن يعقد خلالها لقاءً هاماً مع الرئيس دونالد ترامب، حيث سعت واشنطن، في الفترة الماضية، أن يسبق تقدم في مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة، من ضمن العنوان الرئيسي القائم على مستوى المنطقة، أي السعي إلى حصر السلاح غير الشرعي بيد الدولة، بينما كانت دمشق قد سبقت بيروت وبغداد في الالتحاق بهذا المسار.
في هذا الإطار، تشير مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن واشنطن تسعى إلى تكريس منطق المشاريع الاقتصادية في البلدان الثلاثة، مقابل التخلي عن منطق المواجهات العسكرية، لكن الأهم هو محاصرة النفوذ الإيراني، على قاعدة أن الضربات التي تعرض لها في الفترة الماضية تفتح الباب أمام ذلك، خصوصاً مع وجود رغبة رسمية لدى السلطات الرسمية في تلك الدول بالانخراط في هذا المسار.
على هذا الصعيد، لا يمكن تجاهل دور أحد أبرز رجال الرئيس الأميركي في المنطقة، أي السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك، الذي يتسلم، بالإضافة إلى مهمته الرسمية، ملفات كل من سوريا والعراق، وسبق له أن دخل على خط الملف اللبناني من بوابة الورقة الشهيرة التي حملت اسمه، والتي كانت تعوّل على أساس إقامة منطقة اقتصادية ضخمة على الحدود الجنوبية، ما يعني أنه من الناحية العملية هو عراب هذا المسار، الذي تُقدّم فيه وعود كبيرة، وكان يقدم الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع على أنه نموذج ينبغي الاقتداء به.
من حيث المبدأ، يواجه هذا المسار العديد من التحديات الهامة، أبرزها أن النفوذ الإيراني، تحديداً في بغداد وبيروت، لا يزال قادراً على المقاومة، بالإضافة إلى أن لدى تل أبيب رؤية مختلفة في هذا المجال، على أساس الاستمرار بالسيطرة الأمنية على مناطق عازلة في سوريا ولبنان، أما الأهم فهو تأمين مشاركة مجموعة من القوى الإقليمية الفاعلة في دعمه.
بالنسبة إلى المصادر السياسية المتابعة، تركيا هي الجانب الأكثر انخراطاً في هذا المسار، الذي يحظى بدعم من قبل المملكة العربية السعودية أيضاً، لا سيما أنها كانت اللاعب الذي وجه الضربة الأقوى للنفوذ الإيراني، من خلال السيطرة على الساحة السورية، مستغلاً التداعيات التي فرضها العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2024، وهي اليوم باتت تملك نفوذاً كبيراً في الساحتين العراقية واللبنانية.
وفيما يتعلق بالاعتراضات الإسرائيلية، التي تنطلق من اعتبارات أمنية بالدرجة الأولى، تلفت هذه المصادر إلى أن الرئيس الأميركي يتبنى وجهة النظر التي تعتمد على أساس قدرة المشاريع الاقتصادية الكبرى على معالجة ذلك، وهو ما يبرر الانتقادات التي يوجهها إلى تل أبيب، لا سيما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لناحية تعامله مع الملف اللبناني، معتبراً أن الشرع يملك القدرة على التعامل بشكل أفضل، حيث توضح أن المقصود أنقرة وليس دمشق التي لديها تحديات لا يمكن الاستهانة بها.
في المحصلة، تشير المصادر نفسها إلى نقطة جوهرية في هذا المجال، تكمن أن ترامب، في الانتقاد الأخير لنتنياهو، لفت إلى أن المطلوب التركيز على القضية الأكبر، أي إيران، حيث ترى أنها كانت مؤشراً على أن الإدارة الأميركية باتت تعتبر أن طهران غير قادرة على قلب المعادلات في الساحات الثلاث المذكورة من جديد، لا بل هو قد يكون في وارد ممارسة المزيد من الضغوط عليها، حيث التركيز على سحب ورقة مضيق هرمز منها أيضاً.






















































