في أوّل يوم من هذا الأسبوع الذي صادف نهاية شهر آب "اللهّاب"، زار سفير فلسطين في لبنان محمد الأسعد وعدد من موظّفي السفارة مركز بلدية الدامور حيث استقبله رئيس البلدية جان غفري وعدد من المخاتير وأعضاء المجلس. أشعلت الزيارة مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات منتقدة الزيارة، لا سيّما رفض أصحابها ترحيب غفري بضيفه باسم البلدة والبلديّة. فهو إن كان رئيس بلدية يُمثّلها أمام السلطات المعنية، غير أنّه لا يمثّل نصف السكان تقريباً الذين لم ينتخبوه. وربما زاد عددُهم بعد الزيارة التي لا تقدّم لكنّها تؤخّر في أشياء كثيرة.
لاح الانتقادُ الأوّلي حول ورود اسم عائلة رئيس البلديّة خطأ. فبدلاً عن غفري، ذُكِر الفغالي. بعض وسائل الاعلام التي نشرت الخبر صحّحت الاسم، وأبقت أخرى على الخطأ. اللافت أن البيان عن الاجتماع صدر عن سفارة فلسطين التي تولّت توزيعه، غير أنّه لم يسلك طريقه إلى موقع بلدية الدامور الالكتروني الرسمي حيث تجد آخر خبر على صفحاتها مؤرّخاً في 18/8/2026. فهل تنصّلت البلدية من اللقاء و"اسْتَحت"به؟ هل هناك اتّفاق سابق بينهما على مضمون البيان كما تجري العادة في مناسبات حسّاسة مماثلة؟ وإذا لا، لماذا لم تعمد البلدية إلى نشر بيان منفصل؟ خصوصاً أنّ اللقاء حصل في دارها؟
تأرجحت تعليقات الوكالات الاخباريّة وعناوينها عن خبر الزيارة بين "اللقاء التاريخي" وبين"خطوة لافتة في البلدة التي تعرّضت لمجزرة". هذا الأمر طبيعي ويعود إلى ميول وانتماءات الكتّاب والمراسلين في هذه الوسائل السياسيّة والعقائدية وحتى المناطقية والدينية. فإذا عُدْنا إلى لغة الحرب، حين كان "اليمين" و"اليسار" متحكِّمين بلبنان، تجد خريطة توزّع الترويج والدعاية والنشر لهذا الخبر. وتتفاجأ بتعاطي وكالات أنباء فلسطينية أو قريبة من السلطة الفلسطينية بايجابية كبيرة مع النبأ. بينما نشرته وسائل اعلامية لبنانية أخرى بدون تعليق، لكنّها أشارت الى توزيعه من قبل السفارة.
إنّ واقعة التهجير حصلت عام 1976، وما رافقها من ويلات وهدر أرواح وقتل أبرياء وتنكيل بالأطفال وتدمير بالممتلكات وحرق الكنائس وتهديم المدارس وهرب الناس بالقوارب بحراً إلى جونية شبه عراة في ليالي "كوانين" الباردة القارسة، أو إلى جزين ودير المخلص و... هذه الأحداث لا تُمحى بين ليلة وضحاها. يصرّ الدوامرة على العودة والنهوض ببلدتهم، لكنّهم يرفضون تولّي مُراهقين أمورَهم وشؤونَهم. الحكم هو ادارة سياسية حكيمة ومشورة وحسن تدبير وحوكمة رشيدة وتبصّر بعيداً عن التسرّع والتخبّط والعشوائيّة.
قال السفير إنّ الزيارة تتزامن مع عيد انتقال السيدة العذراء وعيد ارتفاع الصليب. لكنّها تتزامن أيضاً مع فترة حصار الدامور من الجهات الأربع وقطع الامدادات والغذاء عن أبنائها المُسالمين. يُحيي أبناء الدامور ذكرى المجزرة والتهجير كلّ عام في العشرين من كانون الثاني. سبق هذا التاريخ المؤلم أسابيع من القصف المدمّر على أحياء البلدة غير المُجهّزة بالملاجئ أو الأماكن الآمنة. ما أشبه اليوم بالأمس. هذه الجروح لا تُنسى. تبقى في الذاكرة.
طالب رئيس البلدية بضرورة "تنقية الذاكرة المشتركة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني". يُسأل غفري من أبناء البلدة أو بعضهم هل توجد ذاكرة مشتركة بين الفلسطيني وابن الدامور؟ وما هي القواسم المشتركة بينهما؟ وبأيّ أداة أو وسيلة تَجري التنقية؟
لا أحد يريد نكْئ الجراح والعودة إلى الماضي الأليم. كما لا يُخفى على القاصي والداني خسارة كلّ عائلة داموريّة فرداً منها في الهجوم على الدامور. هذا الهجوم الذي شنّته القوى الوطنية والصاعقة (تابعة لسوريا) وقوات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ومرتزقة (من ليبيا والصومال و...) وبالتالي يتحمّل الفلسطينيّون ويتقاسمون مسؤولية ما جرى مع حلفائهم.
لماذا هذه الزيارة في هذا التوقيت الحرج والصعب والدقيق لبنانياً وعربياً واقليمياً وخليجياً وفلسطينياً في الضفّة الغربية وغزة؟ هل تنفع في تنقية الذاكرة كما "طمح" رئيس البلدية أن يحصل من وراءها؟ أو أنّ المستفيد منها هو الزائر غير المرغوب فيه أقلّه اعلامياً؟ هل تورّط رئيس البلدية ولم يعرف كيف الخروج من الرغبة الفلسطينية في الزيارة؟ وورّط معه بعض أعضاء المجلس البلدي؟ أو أنّه موافق على الزيارة عن سابق تصوّر وتصميم؟
هل قيّم رئيس البلدية مع أعضاء المجلس البلدي طبيعة الزيارة، وتدارس معهم سلبيات حصولها وانعكاساتها الايجابية على محو ما يختزنه الداموري في عقله وقلبه من ألمٍ ثابت؟
هل تدعم هذه الزيارة وهذا اللقاء عودة الذين ما زالوا مهجَّرين بسبب ما افتعله الفلسطينيون بهم؟ أو أنّ الزيارة تزيد النقمة على الوفد الزائر وعلى مستقبِليه؟
الربح الوحيد الذي انتزعه غفري من سفير فلسطين هو الكتاب الذي قدّمه إليه. هلّ قدّم السفير اقتراح تمويل أيّ مشروع ولو بكلفة رمزية في الدامور؟ بالطبع لا. فهم يُعانون الأمرّين، فضلاً عن مشكلاتهم الداخليّة على صعيد الهدر في الأموال واقالة سفيرهم السابق في لبنان لهذا السبب.
تمنّى أحد أبناء الدامور لو دعت البلدية سفير إحدى الدول المانحة مثل اليابان والمانيا والنمسا وسويسرا وغيرهم، ونظّمت جولات لهم في الدامور، وأطلعتهم على حاجاتها. لربما تمكنّت من الاستحصال على تمويل يُخصّص مثلاً لأحد المشاريع الانمائية المُلحّة.
يلفت المراقبون أيضاً عدم تعليق نوّاب الأمّة في الشوف على الزيارة، وكذلك غياب الأحزاب مثل القوات اللبنانية والكتائب والأحرار والتيار الوطني الحر عن السمع.
فهذه الزيارة لا تدخل في إطار انمائي-اجتماعي بحت حتى تمرّ مرور الكرام. المواقف المعلنة تكشف عن أمور سياسية-تصالحية في بعدٍ تاريخي عميق، يعجز سفير ورئيس بلدية عن تنفيذها والخوض بها واعطائها دفعاً إلى الأمام.
معاناةُ أبناء الدامور مستمرّة. ووجَعهم من تغييب عقلائها وحكمائها والراشدين فيها عن القرار. وإذا استُعيد القول بالمثل الشائع لا سمح الله "دود الخل منّو وفيه"، فإنّ أبناء الدامور يؤمنون بقول الشاعر أبو القاسم الشابي: "إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ".






















































