دخل النواب إلى الجلسة التشريعية وهم يتفقون، في الظاهر، على أن السجون اللبنانية لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل. فالاكتظاظ يتفاقم، والمحاكمات تتأخر، وثمة موقوفون أمضوا سنوات من أعمارهم خلف القضبان من دون أحكام نهائية. غير أن المجلس خرج من الجلسة من دون التصويت على اقتراح قانون العفو العام؛ إذ قاطعها عدد من النواب السنة، ثم أدى انسحاب كتلة "القوات اللبنانية" إلى فقدان النصاب.
انفضّت الجلسة النيابية الأخيرة من دون أن يصل قانون العفو العام إلى التصويت، بعدما انسحبت كتلة "القوات اللبنانية" احتجاجًا على ترتيب التصويت بين العفو وإلغاء عقوبة الإعدام، فسقط النصاب قبل أي حسم. والمفارقة أن النواب الذين قاطعوا الجلسة أو انسحبوا منها هم أنفسهم من أبرز المدافعين عن مبدأ العفو، وهو ما يكشف أن الخلاف لا يدور حول ضرورة إخراج سجناء من الزنازين، بل حول هوية هؤلاء السجناء وسبب استحقاقهم الخروج أصلًا.
بهذا المعنى، لم يسقط القانون لأن غالبية الكتل ترفض مبدأ العفو. سقط بعدما ظهر أن الاتفاق على إخراج سجناء لا يعني الاتفاق على هوية هؤلاء السجناء، ولا على الأسباب التي تجعلهم مستحقين للخروج. فالموقوفون الإسلاميون يتصدرون مطالب شريحة من النواب السنة، وملفات المخدرات تحضر ضمن أولويات قوى شيعية، فيما يبرز في المقابل ملف اللبنانيين الذين غادروا إلى إسرائيل بعد عام 2000، إلى جانب الخلاف على مصير المحكومين بالإعدام.
تكشف هذه الخريطة أن مجلس النواب لا يناقش فقط سياسة جنائية لمعالجة خلل عام، بل يحاول جمع ملفات سياسية وطائفية مختلفة داخل قانون واحد. من هنا يصبح السؤال أوسع من سقوط النصاب: هل يستطيع لبنان إقرار عفو يقوم على طبيعة الجريمة وعدالة المحاكمة ومدة التوقيف، أم أن القانون لن يمر إلا بعد موازنة مظلوميات الطوائف وحصصها داخل السجون؟
قانون يبحث عن المشكلة التي يحلها
ينطلق اقتراح العفو من حاجة فعلية. فالسجون اللبنانية تعاني اكتظاظًا حادًا وظروفًا معيشية وصحية متدهورة، فيما تشمل الصيغة المطروحة أشخاصًا أمضى بعضهم سنوات طويلة قيد التوقيف من دون أحكام نهائية. كما تتضمن تخفيض عدد من العقوبات واستبدال أحكام الإعدام، مع استثناء جرائم محددة مثل الاغتصاب والاتجار بالبشر والقتل العمد وتمويل الإرهاب. وقد أقرّت اللجان النيابية المشتركة الاقتراح في 19 أيار بعد سلسلة اجتماعات شارك فيها وزراء العدل والدفاع والداخلية وممثلون عن الأجهزة المعنية بالسجون.
لكن صيغة القانون لا تعكس اتفاقًا واضحًا على طبيعة الخلل، فالقوى السياسية لا تتعامل مع هذه الأزمة باعتبارها خللًا واحدًا. بعضها يرى المشكلة في طول التوقيف والمحاكمات العسكرية، وبعضها في قسوة العقوبات، وبعضها في ملفات سياسية بقيت مفتوحة منذ أحداث أمنية أو منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. وحين يُطلب من قانون واحد أداء كل هذه الوظائف معًا، يتحوّل الخلاف على كل مادة فيه إلى خلاف على التوازن السياسي نفسه.
حين يصبح لكل جماعة تعريفها للظلم
يحتل ملف الموقوفين الإسلاميين مركز النقاش السني حول القانون. ويرى مؤيدو العفو أن عددًا من هؤلاء تعرض لتوقيفات طويلة أو محاكمات غير عادلة، وأن الصيغة التي أقرتها اللجان لا تمنح بعض أبرز الحالات استفادة فعلية. وقد قاطع قرابة عشرة نواب سنة الجلسة الأخيرة، على الرغم من كونهم من أشد المطالبين بالعفو، اعتراضًا على الصيغة وآلية التعامل معها.
في المقابل، تدفع قوى شيعية إلى معالجة أوضاع فئات من المحكومين بجرائم المخدرات، لا سيما التعاطي والترويج غير المنظم مع استثناء التجارة والترويج المنظم، فيما تربط قوى مسيحية موافقتها بتسوية أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل بعد انسحابها من الجنوب عام 2000. هكذا لا تعود هوية المستفيد نتيجةً لتطبيق معيار قانوني موحد، بل جزءًا من عملية جمع أصوات نيابية: تقبل كتلة بإدخال فئة مقابل موافقة كتلة أخرى على فئة مختلفة.
لا يعني ذلك أن كل هذه الملفات متساوية أو أن مطالب أصحابها غير مشروعة. المشكلة تكمن في غياب القاعدة المشتركة التي تفسر لماذا يستحق شخص العفو ولا يستحقه آخر. فالموقوف الذي لم يحاكم لا يشبه المحكوم بعد محاكمة مكتملة، والجريمة المرتبطة بالإدمان لا تشبه الاتجار المنظم، والعودة من إسرائيل لا يمكن أن تُبحث بالمعيار نفسه الذي يعالج به الاكتظاظ.
أين يقف حق الضحية؟
يركز النقاش السياسي غالبًا على السجناء وعائلاتهم، لكنه يترك في الجهة المقابلة عائلات الضحايا أمام سؤال لا يقل قسوة: ماذا يبقى من الحكم حين تقرر الأكثرية تخفيضه في تسوية سياسية؟
حاولت الصيغة معالجة ذلك عبر الإبقاء على الحق الشخصي وربط بعض الاستفادة بإسقاطه، إلى جانب استثناء جرائم محددة كالاغتصاب والاتجار بالبشر والفساد والقتل العمد. لكن الإبقاء على التعويض المدني لا يحسم النقاش المتعلق بالحق العام أو بمعنى العقوبة العسكرية. هنا يظهر السؤال الأصعب: هل العفو إقرار بأن العقوبة أدت غرضها، أم اعتراف بأن المحاكمة كانت معيبة، أم تنازل سياسي عن جزء من العقوبة؟
يصبح الخلط أكثر خطورة عندما يجمع القانون بين أشخاص لم ينالوا محاكمة عادلة وآخرين صدرت بحقهم أحكام في جرائم خطرة. الأول يحتاج إلى عدالة ترفع عنه الظلم، أما الثاني فيحتاج إلى نقاش حول العقوبة والتأهيل ومرور الزمن. وضعهما في سلة واحدة يظلم الاثنين ويجعل العفو أقرب إلى طي الملفات منه إلى تصحيح العدالة.
العفو بوصفه بديلًا من القضاء
تكشف حالات التوقيف الطويل أن الأزمة تبدأ قبل العفو بسنوات. فبقاء شخص أكثر من عقد في السجن من دون حكم ليس مشكلة اكتظاظ فحسب، بل انهيار لمبدأ المحاكمة ضمن مهلة معقولة. وكان ينبغي للقضاء أن يحسم براءته أو إدانته قبل أن يصبح مصيره معلقًا على صفقة نيابية.
قد يخرج القانون آلاف السجناء والموقوفين ويمنح السجون مساحة مؤقتة، لكنه لن يمنع امتلاءها مجددًا. أسباب الاكتظاظ ستبقى قائمة ما دام التوقيف الاحتياطي يستخدم على نطاق واسع، والمحاكمات تتأخر، والسجون تفتقر إلى برامج التأهيل، والعقوبات البديلة لا تطبق بفاعلية.
يتحول العفو عندئذ إلى وسيلة دورية لتنظيف نتائج النظام بدل إصلاحه. تمتلئ السجون بسبب بطء القضاء وسوء السياسة العقابية، ثم تنتظر الدولة توافقًا طائفيًا لإفراغ جزء منها، من دون أن تغيّر الآلية التي أعادت إنتاج الأزمة.
ظل العفو الكبير
سبق للبنان أن استخدم العفو للخروج من أزمة سياسية كبرى. فقانون عام 1991 طوى معظم جرائم الحرب الأهلية وسمح بانتقال قادة الميليشيات إلى العمل السياسي، لكنه أغلق في الوقت نفسه بابًا واسعًا أمام المحاسبة وكشف الحقيقة وبناء عدالة انتقالية. العفو الحالي مختلف في سياقه وحجم الجرائم التي يتناولها، لكن تجربة 1991 تذكّر بأن طي الملف لا يعني معالجة أسبابه.
الخطر اليوم ليس فقط خروج شخص لا يستحق العفو، وإنما تكريس فكرة أن الملفات القضائية الكبرى يمكن إعادة توزيعها وفق موازين القوى. فكل جماعة تنتظر لحظة سياسية مناسبة لإعادة تعريف المحاكمة التي طالت أحد أبنائها، بدل الاحتكام إلى معيار وطني ثابت.
لم يسقط قانون العفو لأن اللبنانيين يختلفون على الرحمة أو العقاب، بل لأنهم لم يتفقوا بعد على عدالة واحدة. كل فريق يرى الظلم حين يقع على جماعته، ثم يبحث عن مادة قانونية تخرج أبناءها من السجن. العفو الذي يحتاجه لبنان ليس جمعًا لمظلوميات الطوائف داخل صفقة واحدة، بل قاعدة تميّز بين الموقوف ظلمًا والمدان، وبين الجريمة السياسية والجريمة الخطرة، وتحفظ للضحية حقها وللسجين محاكمة عادلة. من دون ذلك، قد تُفتح أبواب السجون فيما يبقى النظام الذي ملأها على حاله.























































