هل يحقق الرسم الجديد على تذاكر السفر العدالة الضريبية؟ أم أنه يفرض أعباءً إضافية على المسافرين تحت عنوان "الضريبة التصاعدية"؟ هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة مع اقتراب بدء تطبيق آلية الرسوم الجديدة التي أقرتها الحكومة، والتي تفرض رسوماً على المسافرين بحسب درجة السفر، بواقع 35 دولاراً للدرجة السياحية، و50 دولاراً لدرجة الأعمال، و65 دولاراً للدرجة الأولى، و100 دولار للطيران الخاص. وبينما تؤكد الحكومة أن الهدف هو اعتماد رسم "تصاعدي" يراعي اختلاف درجات السفر ويؤمن إيرادات إضافية للخزينة، يرى خبراء أن الآلية المعتمدة لا تحقق مفهوم الضريبة التصاعدية الحقيقي، بل تفرض أعباءً لا تتناسب مع الفوارق الكبيرة في أسعار التذاكر والقدرة المالية للمسافرين، ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مدى عدالتها وجدواها.
وفي هذا الإطار، يشير القاضي جان طنوس إلى أن "هذه الرسوم أُقرت أساساً ضمن موازنة عام 2024، إلا أن الحكومة وضعت اليوم آلية تطبيقها"، موضحاً أن "قراءة الأرقام تكشف أن الرسم لا يعكس أي تصاعدية فعلية، إذ إن المسافر على الدرجة السياحية قد يدفع ما يقارب 12% من قيمة تذكرته كرسم، بينما يدفع المسافر على الدرجات الأعلى نسبة قد تصل إلى نحو 20%، وبالتالي فإن الزيادة في قيمة الرسم تتراوح بين 1.4 و2.9 ضعف، رغم أن أسعار التذاكر قد تكون أعلى بعشرات المرات".
ويعتبر طنوس عبر "النشرة" أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الفوارق بين الرسوم لا تتناسب مع الفوارق الحقيقية بين قيمة التذاكر، مشيراً إلى أن الدول التي تعتمد فعلاً مبدأ الضريبة التصاعدية تفرض رسوماً تختلف بشكل كبير بين الفئات المختلفة من المسافرين.
ويلفت إلى أنه "في فرنسا يبلغ الرسم المفروض على الطيران الخاص نحو 59 ضعف الرسم على الدرجة السياحية، وفي المملكة المتحدة يصل إلى نحو 30 ضعفاً"، مضيفاً: "في لبنان من يملك طائرة خاصة يدفع 100 دولار فقط، بينما يدفع المسافر على الدرجة السياحية 35 دولاراً. إذا كانت الفوارق في القدرة المالية وأسعار الطائرات والتذاكر بهذا الحجم، فأين هي الضريبة التصاعدية؟".
ويؤكد طنوس أن "العقلية الضريبية السائدة لم تتغير حتى اليوم"، معتبراً أن "لبنان لا يزال بعيداً عن تطبيق مفهوم الضريبة التصاعدية كما هو معروف عالمياً، إذ إن الرسوم الحالية تتعامل مع مختلف الفئات بطريقة متقاربة، ولا تراعي بشكل كافٍ الفروقات الفعلية في القدرة المالية، وهو ما يفقدها أحد أهم أهدافها، أي تحقيق العدالة الضريبية".
من جهته، يوضح الخبير في المحاسبة ربيع داغر لـ"النشرة" أن "الرسم ليس جديداً، فهو موجود منذ سنوات، إلا أن وزير المالية يملك صلاحية تحديد قيمته وتعديلها وفق ما يراه مناسباً"، لافتاً إلى أن "توصيفه بالرسم التصاعدي ليس دقيقاً من الناحية الضريبية".
ويشرح داغر أن "الضريبة التصاعدية تقوم على شرائح ترتفع فيها النسبة الضريبية كلما ارتفع الدخل أو قيمة الوعاء الضريبي، بينما ما يحصل في هذه الحالة هو مجرد اختلاف في قيمة الرسم بين درجات السفر، من دون وجود نظام ضريبي تصاعدي بالمعنى العلمي والاقتصادي للكلمة".
ويرى أن استخدام مصطلح "الرسم التصاعدي" قد يخلق انطباعاً بوجود عدالة ضريبية، في حين أن المعيار الحقيقي هو مدى ارتباط قيمة الرسم بالقدرة المالية للمكلّف، وليس بمجرد اختلاف محدود في قيمة المبلغ المطلوب دفعه.
وبين تأكيد الحكومة أن هذه الرسوم تشكل مورداً إضافياً للخزينة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها البلاد، وانتقاد الخبراء لكونها لا تجسد مفهوم الضريبة التصاعدية كما هو معمول به في الأنظمة الضريبية الحديثة، يبقى الجدل قائماً حول ما إذا كان لبنان يسير فعلاً نحو إصلاح ضريبي أكثر عدالة، أم أن الرسوم الجديدة ستنضم إلى سلسلة الإجراءات المالية التي تزيد الأعباء على المواطنين من دون أن تحقق إصلاحاً حقيقياً في بنية النظام الضريبي أو في توزيع العبء الضريبي بين مختلف الفئات.
























































