لم تكن الكلمة التي ألقاها الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في مدينة بعلبك، بمناسبة أربعينية الإمام الحسين، مجرد خطابٍ تعبويٍّ لشدّ العصب الشعبيّ بعد زلزال عام 2024. بل جاءت كوثيقة اشتباكٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ من العيار الثقيل، صيغت بعنايةٍ فائقةٍ لرسم قواعد مرحلة ما بعد "مذكرة إسلام آباد" و"الإطار الثلاثي". لقد وقف الشيخ قاسم ليقدم قراءةً استراتيجيّةً تتجاوز حدود البقاع، موجهًا رسائل ناريّةً ومبطّنةً في اتجاهاتٍ متعدّدة: إلى واشنطن، طهران، دمشق الجديدة، وقبل ذلك كلّه، إلى قلب السلطة السياسيّة في بيروت.
لذلك، لم يكن اختيار بعلبك صدفة، ولا توقيت الأربعينية مناسبة دينية فقط. فبعد خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون في واشنطن الذي وضع نظرية كاملة لنزع سلاح حزب الله على طريقة كولومبيا وإيرلندا الشمالية، وبعد كلام دونالد ترامب عن أن الإسرائيليين في طور الانسحاب وأنه مستعد للتحدث مع الحزب إذا طلب عون، كان على الشيخ قاسم أن يرد. وردّ من البقاع، من خزان المقاومة البشري والعسكري، بلغة لا تشبه خطب المناسبات، بل بيان قطيعة سياسية وإعلان عقيدة جديدة.
بعلبك منبر الرد
بعلبك ليست الضاحية. الّتي دُمِّرت وتُحاصر إعلاميا. فمدينة الشمس هي العمق الذي لم ينزح، هي المثلث الذي يربط لبنان بسوريا والهرمل بإيران. أن يقف الأمين العام هناك في ذكرى كربلاء، فهو يستدعي كل الرمزية: نحن مظلومون لكننا باقون، نحن أقلية تحاصرها إمبراطوريات. الجمهور ليس جمهور بيروت، بل جمهور النزوح والبيوت المدمرة، لذا بدأ الخطاب بالاعتراف بالألم: من حقكم أن تعبّروا حتى عن الألم، خسارة البيت والولد. هذه لغة لم يستخدمها الأمين العام السابق للحزب السيّد حسن نصر الله كثيرا. قاسم يحاول ترميم شرخ الثقة بعد حرب أيلول 2024 التي يصفها بنفسه بأنها كانت تهدف لاقتلاع المقاومة من الأرض والحياة، بدءًا باغتيال سيد شهداء الأمة والبيجر وضرب القدرات.
بقراءةٍ تشريحيّةٍ عميقةٍ لما بين السطور، نجد أن الخطاب أسس لمرحلةٍ جديدةٍ ينتقل فيها الحزب من خانة الدفاع عن الوجود إلى الهجوم السياسيّ المضاد، محاولًا استعادة زمام المبادرة عبر تثبيت مرجعيّته الإقليميّة، ووضع "خطوطٍ حمراء دمويّة" أمام أيّ محاولةٍ داخليّةٍ لتجريده من سلاحه.
سردية حربين
قاسم في خطابه يعيد كتابة الحرب الأخيرة بمعركتين يسمّيهما. الأولى "أولي البأس" التي أرغمت العدو بروايته على اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 وجعلت استمرارية المقاومة حقا طبيعيا مشروعا. والثانية "العصف المأكول" بعد خطّة إسرائيلية كبيرة كان يتوقع أنها معركة إنهاء المقاومة. التسميات القرآنية مقصودة. لكن الأهم هو اعترافه الضمني أن ما جرى بعد اتفاق تشرين الثاني المذكور لم يكن وقفا للنار، بل 15 شهرا من الإنهاء البطيء. وهنا يكشف ما يعتبره أدوات الشيطان: الفتنة بين الجيش والشعب، والفتنة بين المذاهب، وفتح الجبهة السورية اللبنانية، واستخدام السلطة السياسية كأداة إسرائيلية، ومحاولة عزل الحزب عن الناس.
وهنا لا بدّ من الاشارة الى أن الافتراض السائد في بيروت حيال نهاية الحزب عسكريا. عَكَسَهُ قاسم بقوله: "فوجئوا بالإعداد والالتفاف الشعبي والتكتيكات الجديدة والمحلقات". فهو لا ينكر الضربة، لكنه يحولها حسب اعتباره الى صمود أسطوري.
شرعنة المظلة الإيرانيّة
أخطر ما تضمنه الخطاب وأكثره وضوحًا، هو الإقرار العلنيّ بأنّ بقاء المقاومة ووقف العدوان الاسرائيلي لم يكونا نتاجًا لصمودٍ ميدانيٍّ حصريٍّ، ولا ثمرةً لجهودٍ دبلوماسيّةٍ لبنانيّة، بل كانا نتيجةً حتميّةً لـ"مذكرة التفاهم الأميركيّ الإيرانيّ". عندما يقول قاسم صراحةً إنّ "إيران اشترطت أن نكون في البند الأول"، فهو ينسف تمامًا كلّ المساعي التي حاولت فصل الساحة اللبنانيّة عن طهران.
وقد حملت الكلمة بين سطورها، رسائل ناريّة أحدها كانت بشكل قاطع للداخل اللبنانيّ وللمجتمع الدوليّ: أمن لبنان، ومصير الجبهة الجنوبيّة، لا يُقرّران في قصر بعبدا، بل يُصاغان على طاولات التفاوض المباشر بين أميركا والجمهوريّة الإسلاميّة. هذا الإعلان يمثّل طعنةً استراتيجيّةً في ظهر الاتفاقيات التي وقعتها السلطة اللبنانيّة (كالإطار الثلاثي)، إذ يجرّدها من أيّ قيمةٍ فعليّة، ويقول للبنانيين بوضوح: المظلة الإيرانيّة هي التي تحميكم، وترامب لا يردعه سوى التفاوض مع طهران، وليس التنازلات المجانيّة في واشنطن.
طلاق مع السلطة؟!
إذا كانت لغة الخطاب تجاه الخارج محكومةً بالتوازنات، فإنّ الهجوم على السلطة السياسيّة في لبنان، وتحديدًا رئيس الجمهوريّة، كان غير مسبوقٍ في قسوته وتخوينه السياسيّ، عبر اتّهامه بأنه "أصبح طرفًا ومُفرّقًا"، ووصف السلطة بأنها باتت "أداة إسرائيليّة" تُقدم "التنازلات المجانيّة"، يعكس أزمة ثقةٍ وجوديّةً وانقطاعًا كاملًا لشعرة معاوية بين الضاحية وبعبدا، وهو لأول مرة يهاجم أمين عام لحزب الله رئيس الجمهورية بهذه الحدة علنا.
وفي سبر أغوار هذا الهجوم نرى أن الحزب يستشعر خطرًا بالغًا من ملاحق "الإطار الثلاثي" الأمنيّة، التي تُلزم الجيش اللبنانيّ بتفكيك بنية الحزب العسكريّة. من خلال نزع صفة "الحَكَم" عن رئيس الجمهوريّة، يقوم حزب الله فعليًّا بنزع الشرعيّة السياسيّة والوطنيّة عن أيّ أوامر قد تصدر للجيش بالاصطدام مع المقاومة. فهو يمهّد الأرضيّة الشعبيّة والسياسيّة لرفض أيّ قراراتٍ سياديّةٍ قادمة، معتبرًا إياها إملاءاتٍ أميركيّة، مما يُدخل البلاد في نفق الشلل المؤسساتيّ المطلق.
تهديد داخليّ مبطّن
وفي واحدةٍ من أخطر العبارات التي تنذر بتداعياتٍ أمنيّةٍ خطيرة، رسم قاسم خطّ اشتباكٍ داخليٍّ جديدًا حين قال: "سنواجه من ينخرط في المشروع الإسرائيليّ ويُنفّذ خطواته ضدّ المقاومة... كما نواجه العدو الإسرائيليّ".
وهذه العبارة ليست مجرد بلاغةٍ خطابيّة، بل هي إعلانٌ استباقيٌّ لحربٍ داخليّة كامنة إذا ما فُرضت المواجهة وربّما تذكير بما حصل في شهر أيار عام 2008 عندما اتخذت الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة قراراً باعتبار شبكة الاتصالات السلكية الخاصة بحزب الله غير شرعية وإحالة المسؤولين عنها للقضاء، مما أدى إلى توتر واسع واشتباكات ميدانية في بيروت ومناطق أخرى. قاسم يقول للجيش اللبنانيّ وللقوى السياسيّة المناهضة صراحةً: أيّ محاولةٍ لتطبيق بنود تجريد السلاح بالقوة في المناطق التجريبيّة، أو أيّ عملٍ أمنيٍّ يهدف إلى تقليم أظافر الحزب تنفيذاً للإطار الثلاثي، سيُعتبر عملًا عدائيًّا يعادل الاجتياح الإسرائيليّ، وسيُقابل بالقوة العسكريّة. إنّه استنساخٌ مطوّرٌ ومباشرٌ لعقيدة "السلاح لحماية السلاح"، وتلويحٌ صريحٌ بأنّ الانزلاق نحو صدامٍ داخليٍّ ليس مستبعدًا إذا مُسّ العصب الوجوديّ للمقاومة.
الولاء للقيادة الجديدة
أفْرَدَ الخطاب مساحةً واسعةً للحديث عن الشأن الإيرانيّ الداخليّ، متوقفًا عند اغتيال الإمام الخامنئي وتولّي نجله السيد مجتبى خامنئي زمام القيادة. بعيدًا عن الوفاء العقائديّ، يحمل هذا الجزء رسالة طمأنةٍ مزدوجة: الأولى لجمهور الحزب المنهك، مفادها أن العمق الإيرانيّ الداعم لم يسقط ولم يتصدّع رغم الضربات التاريخيّة؛ والثانية للأميركيين والإسرائيليين، بأن انتقال السلطة في طهران لم يغيّر في الجوهر الثوريّ والداعم لمحور المقاومة. قاسم يؤكد أن الحزب باقٍ كدرعٍ متقدمٍ لإيران، رافضًا كل الدعوات لفكّ الارتباط العضويّ والماليّ والعقائديّ مع القيادة الإيرانيّة الجديدة.
رسائل لدمشق الجديدة
برزت في الخطاب مرونةٌ بالغة الأهميّة تجاه سوريا، عكست قراءةً جيوسياسيّةً براغماتيّةً لواقع ما بعد انهيار نظام بشّار الأسد. حديث قاسم عن تمني "نجاح سوريا في بسط العدل وتعاون كل مكوناتها"، واستعداده لـ"لقاء علني مع القيادة السورية"، يمثّل تحولًا استراتيجيًّا لافتًا.
فالحزب يدرك تمامًا أن الجغرافيا السوريّة هي رئته التي يتنفس منها، وأنه لا يملك رفاهيّة معاداة النظام الجديد في دمشق أيًّا كان شكله.
هذا انقلاب. فالحزب الذي قاتل عشر سنوات لحماية بشار الأسد، يقول اليوم لا مانع من لقاء الشرع علنا. هو يفهم أن سوريا الجديدة أصبحت بوابة التهريب الوحيدة والجبهة الشمالية، وأن عداءها يعني خنقا كاملا. كما أنه يلتقط كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويحوله: إذا كانت واشنطن تريد دمشق وسيطا لنزع سلاحنا، فنحن مستعدون للتحدث معها مباشرة، دون واشنطن.
لذا، يُبدي قاسم انفتاحًا على القيادة السوريّة الجديدة، ويُغازلها من باب "إخراج العدو الإسرائيليّ" من أراضيها، في محاولةٍ ذكيّةٍ لحجز مقعدٍ له في مرحلة إعادة ترتيب البيت السوريّ، ولتأمين الحدّ الأدنى من الحماية الجغرافيّة لظهره المكشوف، معوّلًا على تقاطع مصالح محتمل قد تفرضه التهديدات الإسرائيليّة المستمرّة.
تحصين البيت الشيعي
لم يغفل قاسم عن أهميّة الجبهة الداخليّة، وتحديدًا "البيت الشيعيّ"، إذ شدّد بإسهابٍ على التلاحم مع "حركة أمل"، واصفًا إياه بـ"السد المنيع". في لغة السياسة اللبنانيّة، هذا التوكيد المستمر يعكس قلقًا دفينًا من محاولاتٍ محليّةٍ ودوليّةٍ لاختراق البيئة الحاضنة عبر استغلال النقمة الشعبيّة الناتجة عن الدمار والتهجير الطويل الأمد. الحزب يحتمي بـ"حركة أمل" كغطاءٍ سياسيٍّ ومؤسساتيٍّ داخل بنية الدولة، ويوجّه رسالةً للخارج بأن أيّ رهانٍ على شرخٍ شيعي-شيعي هو رهانٌ خاسرٌ سلفًا.
الخلاصة الاستراتيجيّة
يختم قاسم بما يشبه العقيدة العسكرية النهائية: "المقاومة مستمرة ما دام الاحتلال موجودا... سنواجه من ينخرط في المشروع الإسرائيلي وينفذ خطواته ضد المقاومة وشعبها كما نواجه العدو الإسرائيلي. ثم يعود ليقول: نحن مع انتشار الجيش في جنوب الليطاني ومرحب به بل ونساعد إلى الحدّ الأقصى كما ساعدنا".
هنا التناقض المقصود الذي يجب يقرأه الباحث كدعم لانتشار الجيش جنوبا، لكنه يتوعد بمواجهة من ينفذ خطوات ضد المقاومة كمواجهة إسرائيل. أي أن الجيش مقبول ما دام لا يقترب من سلاحنا شمال الليطاني. والاستقرار في لبنان مبني على الاستقرار في الجنوب وانسحاب إسرائيل الكامل. أي أن السلاح باق حتى الانسحاب، الّذي لن يحدث برأيه عبر التفاوض المباشر بل عبر المذكرة الإيرانية الأميركية وصمود الميدان.
الخلاصة أن خطاب بعلبك ليس خطاب هزيمة ولا خطاب نصر. هو خطاب إعادة تموضع.
بناءً على هذا التشريح، يمكن القول إنّ الكلمة ليست مجرّد محطةٍ رثائيّة، بل هي "دستور بقاء". لقد أسس الشيخ قاسم لمعادلةٍ جديدةٍ عنوانها: التسليم بالمرجعيّة الإيرانيّة كضامنٍ وحيدٍ للوجود، مقابل الكفر الكامل بأيّ ترتيباتٍ سياديّةٍ محليّةٍ أو أميركيّة.
يقف "حزب الله" اليوم، وفقًا لهذا الخطاب، في وضعية "الهجوم الدفاعيّ". هو يرفض التنازل عن سلاحه، ويهدّد بحرق المراكب داخليًّا إن طُلب منه ذلك، ويتّكئ بكلّ ثقله على التفاهمات الكبرى التي تبرمها طهران مع واشنطن، منتظرًا جلاء غبار المعارك الدبلوماسيّة. إنّه خطابٌ يعيد لبنان رسميًّا إلى مربع الاستقطاب الحاد، حيث لا مكان لأنصاف الحلول؛ فإمّا دولةٌ تقبل بالتعايش القسريّ مع سلاح الحزب تحت المظلة الإيرانيّة، أو انزلاقٌ حتميٌّ نحو مواجهةٍ داخليّةٍ مفتوحةٍ لن تبقي ولن تذرّ.



















































