في 13 حزيران 2025، شنّت إسرائيل هجومًا جويًا مباغتًا على منشآت عسكرية ونووية في إيران، ثم ساندتها الولايات المتحدة اعتبارًا من الأسبوع الثاني للعملية التي انتهت في 24 حزيران باتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة قطرية. وبعد أن استكشفت كلّ من واشنطن وتل أبيب قدرات طهران الفعلية، أطلقتا معًا حربًا ثانية عليها اعتبارًا من 28 شباط 2026، من دون أن تتمكّنا من تحقيق الأهداف المرسومة مرّة أخرى، على الرغم من الدمار الشامل الذي لحق بالبنى التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية، بحيث انتهت المواجهة الثانية في 8 نيسان الماضي باتفاق مُؤقّت لوقف إطلاق النار. وقد بيّنت الأشهر القليلة الماضية مدى هشاشته، إذ تخلّلته خروقات كثيرة من جانب الجيشين الأميركي والإيراني. فماذا سيحصل الآن في ظلّ الوصول إلى طريق مسدود، وما خطّة كلّ من واشنطن وطهران للانتصار؟
قرّرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعد أن اختبرت أكثر من وسيلة ضغط ضدّ إيران من دون تحقيق النتيجة المرجوّة، اللجوء إلى سياسة الضغط الاقتصادي الخانق، مع السعي بجهد إلى قطع كلّ ممرّات التهريب التي اعتادت طهران اعتمادها خلال سنوات طويلة من العقوبات الدولية عليها. وبالفعل، تُعاني إيران حاليًا من مشاكل كبرى، حيث انهارت قيمة عملتها بشكل حاد، وصار الحدّ الأدنى الشهري للأجور يوازي نحو 85 دولارًا أميركيًا فقط، في حين بات معدّل رواتب عناصر الجيش يتراوح ما بين 60 و180 دولارًا، ومعدّل رواتب الضبّاط بحدود 250 دولارًا. وعلى الرغم من أنّ إيران مُصنّفة بلدًا نفطيًا يمتلك أحد أكبر احتياطيات الخام في العالم، فإنّ عاصمتها طهران ومدنًا رئيسية أخرى تشهد اليوم أزمة وقود خانقة، وتصطفّ السيارات في أرتال طويلة أمام المحطّات بسبب الحصار الأميركي.
لكن على الرغم من قسوة القبضة الأميركية الحالية، تبيّن أنّه لا مفرّ من اللجوء، بين الحين والآخر، إلى الضربات الصاروخية المحدودة لإضعاف قدرات إيران على مواصلة استهداف السفن في مضيق هرمز. فإذا كان صحيحًا أنّ الجيش الأميركي نجح في فرض حصار على المرافئ الإيرانية بالتزامن مع إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا بشكل جزئي، فالأصحّ أنّ "الحرس الثوري الإيراني" ما زال قادرًا حتى تاريخه على استهداف السفن والناقلات التي تُحاول العبور من دون التنسيق معه، ولو بوتيرة أقلّ مقارنةً بما كانت عليه في الأشهر الماضية.
وبحسب التحليلات الغربية، فإنّ الإدارة الأميركية تأمل حاليًا أن توافق إيران، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها، على تقديم بعض التنازلات الكفيلة بالتوصّل إلى تسوية مرضية. ولا تطلب الإدارة الأميركية أكثر من صيغة مقبولة بشأن الملفّ النووي، وإعادة الاستقرار إلى مضيق هرمز بطبيعة الحال. وهي مُستعدّة لإطالة أمد الحصار على إيران طالما استدعى الوضع ذلك، مستفيدةً من الهدوء النسبي لتعزيز مخزون الصواريخ التي تملكها، بفئتيها الهجومية والاعتراضية على حدّ سواء.
في المقابل، لا تقف إيران مكتوفة الأيدي، فهي تعمل خلال الوقت المُستقطع الحالي على إعادة بناء قدراتها الصاروخية، وتحضير المزيد من المسيّرات الهجومية والانقضاضية، وحتى محاولة تجميع أنظمة رادار ورصد جوّي، وذلك داخل ما تبقّى من مصانعها العسكرية، وباستعمال ما لم يُدمّر خلال الهجمات من أدوات وقطع ومواد خاصّة بالإنتاج العسكري كانت مُخزّنة تحت الأرض. والأهمّ من التحضيرات الميدانية أنّ النظام الإيراني يعمل جاهدًا على إبقاء سياسة المناورة والغموض على مستوى المفاوضات، في مقابل رفع لائحة شروط تشمل الإفراج عن الأموال الإيرانية المُجمّدة، ودفع تعويضات مالية ضخمة، وتوظيف استثمارات كبرى لإعادة بناء ما تهدّم، والتعهّد بوقف كلّ الهجمات والعمليات العسكرية على أنواعها، ليس في إيران فحسب، بل في كلّ الجبهات التي توجد فيها جماعات مقاتلة موالية لطهران، ناهيك عن انسحاب البحرية الأميركية من المنطقة.
وبالتالي، لا تزال إيران حتى اللحظة ترفض تقديم أيّ تنازل يمكن أن يوظّفه الرئيس الأميركي في معركة الانتخابات النصفية المُقرّرة في الثالث من تشرين الثاني المقبل، حيث إنّ مضيق هرمز الذي تُساوم على مصيره كان مفتوحًا أصلًا قبل الحرب عليها. وبالنسبة إلى الملفّ النووي، فإنّ قدرة إيران على إنتاج قنبلة ذرّية لم تعد واردة في المدى المنظور، وحتى اليورانيوم المخصّب الذي تملكه والمطمور في أعماق مخابئ مُحصّنة أصبح في وضع غير عملي. وبحسب الخبراء الغربيين، فإنّ الهدف من التركيز الإيراني على هذين الموضوعين يتمثّل في الحفاظ على باقي الملفات بمنأى عن الضغوط، وفي طليعتها الصواريخ الباليستية التي تُشكّل إحدى أهمّ عوامل قوّة إيران، وكذلك الجماعات المُسلّحة الموالية لطهران في المنطقة، وتحديدًا في اليمن والعراق ولبنان، والتي تبقى ورقة قوّة يمكن من خلالها تهديد أمن إسرائيل ودول الخليج كلّها، وأهميّتها لطهران تفوق أهميّة ملفّها النووي!
في الخلاصة، ما يجري حاليًا هو انتقال من عمليّات شدّ الحبال التي دارت في الأسابيع القليلة الماضية إلى عمليات عضّ الأصابع – إذا جاز التعبير – في انتظار من سيصرخ أوّلًا! يُذكر أنّه في الوقت الذي قرّر فيه الرئيس ترامب تجميد العمليات العسكرية الكبرى ضدّ إيران، والاكتفاء بالحصار الخانق ضدّها مع تنفيذ بعض الهجمات بين الحين والآخر، توجد مخاوف من أنّ إيران ستُضطرّ في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى إعادة تفجير الوضع العسكري على نطاق واسع من جديد، إذا ما وجدت نفسها أسيرة حصار لا يمكنها التفلّت من نتائجه الخانقة على نظامها وشعبها! والقصف الإيراني عندها سيطال الخليج بأكمله، وسيكون مؤذيًا، بهدف ممارسة أعلى قدر ممكن من الضغط، وبغية حمل واشنطن على رفع حصارها في أقصر مدّة زمنيّة. فالأذى الذي يمكن أن يلحق بالنظام الإيراني من جرّاء استهدافه بغارات أميركية وإسرائيلية لأيّام عدّة، يقلّ حدّةً عن الأذى الذي يمكن أن يُسبّبه عجزه عن توفير الحاجات المعيشية الأساسية للشعب الإيراني.






















































