تكتسب الزيارة السريعة التي قام بها رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ إلى ​اليونان​ أهميةً تتجاوز العلاقات الثنائية، لأنها تأتي في لحظة بدأ فيها البحث الجدي في شكل الجنوب ال​لبنان​ي مع اقتراب المهلة القانونية لانتهاء مهمة ​القوات الدولية​ العاملة هناك، «​اليونيفيل​». وفي هذا السياق، فإن الحديث اليوناني عن الاستعداد للمساهمة في مرحلة ما بعد «اليونيفيل»، ودعم الجيش اللبناني، والمشاركة المحتملة في جهد أوروبي، يفتح الباب أمام احتمال أن يكون لليونان دور في الترتيبات الأمنية المقبلة، لا باعتبارها بديلًا منفردًا عن «اليونيفيل»، وإنما باعتبارها أحد مكوّنات قوة دولية جديدة.

يكتسب الدور اليوناني المحتمل قيمته من طبيعة اليونان نفسها، فهي دولة أوروبية وعضو في ​حلف شمال الأطلسي​، ولها علاقات وثيقة مع ​الولايات المتحدة​ و​إسرائيل​، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بعلاقة جيدة مع لبنان. والأهم أنها طرف أساسي في التوازن الاستراتيجي في شرق المتوسط، في ظل خلافها المزمن مع ​تركيا​. وهذه النقطة تحديدًا لا يمكن فصلها عن الحسابات الإسرائيلية. فإسرائيل لا تنظر إلى اليونان باعتبارها دولة أوروبية أخرى، بل باعتبارها شريكًا يتقاطع معها في مواجهة تمدد النفوذ التركي في المنطقة، وقد يكون هذا العامل أحد أسباب جاذبية الدور اليوناني في هذا المجال. فإذا كان لا بد من وجود قوة أوروبية في لبنان بعد «اليونيفيل»، فإن وجود دولة ترتبط بإسرائيل بعلاقات دفاعية متنامية، وتشاركها بعض الهواجس الإقليمية، قد يكون أكثر قبولًا في تل أبيب من وجود قوة يُنظر إليها على أنها أقرب إلى تبنّي الموقف اللبناني.

لكن أهمية اليونان لا تتوقف عند هذا الحد، فلبنان يحتاج، بعد مرحلة القوات الدولية، إلى طرف دولي يستطيع مساندة الجيش من دون أن يتحول إلى قوة احتلال أو إلى طرف مباشر في النزاع. ومن هنا، يمكن أن يكون الدور اليوناني مناسبًا إذا جاء ضمن قوة متعددة الجنسيات، صغيرة ومحددة المهام، تركز على المراقبة والتحقق ودعم الجيش اللبناني. وربما يكون للبحرية اليونانية دور مهم في الجانب البحري، وفقًا لما قاله ​رئيس الوزراء​ نفسه خلال لقائه الرئيس عون. إلا أن طبيعة هذا الدور ستتحدد في النهاية وفقًا لما تريده السلطة في تل أبيب، وليس وفقًا لما يريده لبنان وحده. ولإزالة أي لبس، فإن الهدف ليس إعادة إنتاج «يونيفيل جديدة» تؤدي دور القوة التي تفصل بين الطرفين وتحمي لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، بل إنشاء آلية أمنية تضمن عدم إعادة بناء القدرات العسكرية ل​حزب الله​، وتراقب أداء الجيش اللبناني، وتوفّر آلية تحقق تستطيع إسرائيل الوثوق بها، مع احتفاظها بحرية التدخل عندما ترى وجوب القيام بذلك. وهذا يفسر جانبًا من التناقض في الموقف الإسرائيلي من الجيش اللبناني. فمن جهة، تطالب إسرائيل بأن تصبح المؤسسة العسكرية القوة المسيطرة الوحيدة في الجنوب، ومن جهة أخرى تستهدف الجيش أحيانًا وتضعف صورته وقدرته. لكن هذا التناقض يصبح أقل وضوحًا إذا كان المطلوب إسرائيليًا جيشًا لبنانيًا قادرًا على ضبط حزب الله، وليس جيشًا يتحول إلى قوة ردع مستقلة في مواجهتها. وهنا يمكن أن تؤدي القوة الدولية وظيفة دقيقة: مساعدة الجيش اللبناني على بسط السيطرة، والتحقق من التزامه، ومنع عودة البنية العسكرية للحزب، أي أن تكون أقرب إلى «آلية ضمان ومراقبة» منها إلى قوة فصل تقليدية. ومن هذه الزاوية تحديدًا تبدو اليونان خيارًا جذابًا، كونها تستطيع أن تكون مقبولة لدى لبنان، وفي الوقت نفسه ليست دولة بعيدة عن الحسابات الأمنية الإسرائيلية، كما أن موقعها في مواجهة تركيا يمنح وجودها بُعدًا إقليميًا يتجاوز الجنوب اللبناني نفسه.

لم يعد السؤال: من سيحلّ محل «اليونيفيل»؟ بل: من سيضع قواعد اللعبة الأمنية بعد رحيلها؟ وهذا ما قد يسمح لليونان بأن تتحول من مجرد صديق للبنان إلى حلقة وصل بين متطلبات بيروت وحسابات تل أبيب.