أشار كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان، في كلمة له خلال عشاء تكريمي للصحافة اللبنانية أقامه في بطريركية الأرمن الكاثوليك في الأشرفية – الجعيتاوي، إلى أن "الحياة الكهنوتية الحقيقية لا تسعى وراء شهرة أو مركز، بل تسير وراء المسيح وتحمل البشرى إلى الإنسان. والإعلام، حين يسمو إلى حقيقة دعوته، يصبح هو أيضًا رسالةً: بحثًا عن الحقيقة، ودفاعًا عن كرامة الإنسان، وخدمةً للمجتمع والوطن".
وتوجّه إلى الإعلاميين بالقول: "شكرًا لكل ما قدّمتموه لبطريركيتنا وكنيستنا طوال أيام السنة؛ لكل خبر نقلتموه، ولكل مناسبة واكبتموها، ولكل مساحة فتحتموها أمام رسالتنا لكي تصل إلى الناس. ونخصّ بالشكر مواكبتكم الاستثنائية للحدث التاريخي الذي عاشته كنيستنا في روما، مع تقديس القديس إغناطيوس مالويان".
وأضاف: "لقد حملتم معنا سيرة شهيدٍ لم يساوم على إيمانه، وجعلتم شهادته تصل إلى بيوت اللبنانيين وإلى العالم. وبفضلكم أيضًا، لم يبقَ مالويان اسمًا في سجل التاريخ، بل أضحى شهادةً حيّة تقول إن الإيمان أقوى من الخوف، وإن الإنسان يستطيع أن يخسر حياته، لكنه لا يخسر إيمانه وضميره".
وقال: "ولأن طريق القداسة لا يتوقف، أقول لكم الليلة: إن شاء الله، سنلتقي قريبًا مع قديس جديد، وخبر كنسي مفرح، وصفحة جديدة من صفحات كنيستنا. وعندما يحين الوقت، نعرف أنكم ستكونون معنا، كما عهدناكم دائمًا، شركاء في حمل البشرى وإيصالها".
وتابع: "فنحن نكرّم أهل الإعلام في مكان يعرف الإعلام، ويعرف الحبر، ويعرف الكلمة. هنا، في هذا المكان، كانت مطبعة البطريركية. ومن هنا كانت تخرج الصحافة البطريركية، تحمل الخبر والفكر والرسالة إلى الناس. وفي قلب هذا التاريخ يقف واحد من كبار رجال كنيستنا والكنيسة الجامعة: الكاردينال أغاجانيان".
وأضاف: "لقد فهم أغاجانيان منذ زمن بعيد أن الرسالة التي ورثها من أسلافه المتنسكين في جبال كسروان والذين كانوا يكتبون وينشرون فأراد أن يكمل الرسالة الصادقة، لتجد طريقها إلى الإنسان. ولذلك أولى الصحافة والإعلام اهتمامًا خاصًا، وأسهم في إطلاق الصحيفة الأسبوعية والشهرية للبطريركية، واضعًا الكلمة المكتوبة في خدمة الكنيسة والمجتمع والإنسان".
وقال: "وما أجمل أن يجمعنا الزمن اليوم في المكان نفسه! هنا كانت المطبعة بالأمس، وهنا يجلس أهل الإعلام اليوم. تغيّر الحبر، وتغيّرت الآلة، وتبدّلت وسائل الإعلام، وصارت الكلمة تعبر القارات في ثوانٍ؛ لكن أمانة الكلمة لم تتغيّر".
وتابع: "وحين عاد رفات الكاردينال أغاجانيان إلى لبنان، واستقبله هذا الوطن بما يليق بمكانته، فلم تكن عودته كرجل عظيم إلى أرض أحبّها فحسب، بل كانت عودة ذاكرة ورسالة وإرث. واليوم، أجمل وفاء لهذا الإرث أن تبقى الكلمة في خدمة الحقيقة لا المصالح، وفي خدمة الإنسان لا الانقسام".
وعن الأوضاع في لبنان، قال ميناسيان: "يمرّ لبنان اليوم بمرحلة دقيقة ومصيرية. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا في زمن الأزمات، ليس الاختلاف في الآراء، بل أن تضيع فيه الحقيقة. وهنا تكمن عظمة مسؤوليتكِم. نريد إعلامًا حرًا، لأن الحرية من هوية لبنان؛ ونريدها حريةً مسؤولة، تدرك أن الكلمة قد تجمع شعبًا، وقد تزرع بين أبنائه شرخًا يصعب ترميمه بعض الأحيان".
وأضاف: "لذلك نريد إعلامًا يُراقَب ويُسائَل ويُكشَف ويُحاسب؛ لكنّه لا يُحاكم قبل القضاء، ولا يحوّل الاختلاف إلى عداوة، ولا يجعل السبق الصحافي بديلًا عن الحقيقة".
وتابع: "وفي هذه المرحلة، نتطلع برجاء إلى المسيرة التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وإلى الجهود المبذولة لإعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتِها، وترسيخ منطق القانون والعدالة والمواطنة".
وقال: "ونحن، من هذا الصرح، نقولها بوضوح: نحن مع لبنان الدولة. مع دولة لا يكون فيها أحد أكبر من القانون، ولا يشعر فيها مواطن أنه أصغر من حقوقه. نحن مع دولة المؤسسات، والجيش والقوى الأمنية والقضاء. مع دولة تحمي جميع أبنائِها، وتصون سيادتَها وكرامتهم، وتعيد إلى اللبناني ثقته بوطنه ودولته ومستقبله".
وأكد أن "الأرمن الكاثوليك لم يكونوا يومًا ضيوفًا على لبنان، بل كانوا وسيبقون جزءًا أصيلًا من نسيجه، شركاء في بنائه، وفي ثقافته واقتصاده ومؤسساته وحياته العامة. فلبنان بالنسبة إلينا ليس مكانُ إقامة، بل وطنُ انتماء ورسالةٌ ومصير".
وتوجّه إلى اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون قائلاً: "إن وجودكم بيننا الليلة عزيز على قلوبنا، ونرى فيه حضورًا للبنان الذي نحب: لبنان القرب واللقاء، لبنان الذي يحتضن جميع مكوّناته، ولبنان الذي تبقى فيه الدولة بيتًا لجميع أبنائها. فشكرًا لحضوركم. وانقلوا إلى فخامة الرئيس محبّتَنا وتقديرَنا وصلاتنا، وقولوا له إننا نريد لهذه المسيرة أن تنجح؛ لأن نجاح الدولة ليس نجاح شخص فردي أو عهد أو فريق، بل نجاح لبنان".
وأضاف: "ويسرّنا في هذا العهد الرئاسي أن ننوّه بالإرادة الواضحة لاحتضان النجاحات اللبنانية ودعم الإبداع والطاقات التي تؤكد، رغم كل التحديات، أن لبنان قادر على النهوض واستعادة دوره ومكانته".
وتوجّه إلى وزير الإعلام بول مرقص قائلاً: "ابن الكلمة والقانون والإعلام، إذ أننا نُثمّن جهودَكم في إعادة الحيوية إلى مؤسسات الإعلام الرسمي، من تلفزيون لبنان والوكالة الوطنية للإعلام إلى إذاعة لبنان والأرشيف الوطني. وكلّنا أمل بأن يشكّل إقرار قانون الإعلام الجديد خطوةً متقدّمة نحو تعزيز حرية الإعلام، وصون كرامة الإعلاميين وحماية حقوقهم، بما يواكب تطوّرات العصر والتحوّلات التي يشهدها الإعلام اليوم. فلبنان الذي كان منبرًا للكلمة الحرّة في هذا الشرق، يجب أن يبقى كذلك؛ لأن حرية الإعلام جزء من هويته ورسالته".
وخاطب الإعلاميين قائلاً: "فلا نطلب منكم أن تمدحونا، ولا نريد منكم أن تقولوا ما يرضينا. قولوا الحقيقة. ولا تجعلوا من الخبر حكمًا قبل الحقيقة، ولا من الاختلاف خصومة، ولا من الحرية فوضى. لأنكم لا تحملون ميكروفونًا أو قلمًا أو كاميرا فحسب؛ أنتم تحملون ثقة الناس".
وأضاف: "نريد أن نضع بين أيديكم الليلة أمانةً واحدة: لا تسمحوا للحقيقة أن تصبح يتيمةً في لبنان. قد نختلف في السياسة، وقد تختلف قراءاتنا للأحداث، وقد تتبدّل الحكومات والعهود والأشخاص، لكن يجب أن يبقى هناك شيء واحد لا نساوم عليه: هو لبنان. لبنان الإنسان قبل الحسابات، لبنان الدولة قبل المصالح، لبنان الحقيقة قبل الشائعة، ولبنان الذي يجمعنا قبل كل ما يفرّقنا".
وتابع: "أنتم تكتبون كل يوم خبر لبنان؛ فاكتبوه بما يليق بوطن يستحق الحياة. أنتم تنقلون صورته إلى العالم؛ فلا تسمحوا لأحد أن يختصر لبنان بأزماته. وأنتم تصنعون جزءًا من ذاكرته؛ فاجعلوا هذه الذاكرة أمينةً للحقيقة".
وختم: "صلاتنا أن يحفظ الله فخامة رئيس الجمهورية واللبنانية الأولى، وأن يبارك كل مسؤول يعمل بصدق وإخلاص في خدمة الوطن، وأن يحفظ جيشنا ومؤسساتنا وشعبنا. وأن يحفظكم أنتم، أهل الإعلام، أحرارًا في كلمتكم، أمناء في رسالتكم، شجعانًا في قول الحقيقة. فالكلمة قد تُقال في لحظة، لكن أثرها يبقى لأجيال. وليكن إعلام لبنان دائمًا صوتًا للحقيقة، ولتكن الحقيقة دائمًا في خدمة الإنسان، وليكن الإنسان دائمًا في قلب لبنان. حفظ الله لبنان، وحفظ كلمته حرّة، وحفظ أبناءه مجتمعين حول وطنٍ واحد، ودولةٍ واحدة، ورجاءٍ واحد".
























































