دخلت إسرائيل المرحلة الأكثر حساسية في انتخاباتها المقبلة وهي تحمل مفارقة يصعب تجاهلها: رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يخوض المعركة الانتخابية متسلحًا بالملف الذي لطالما كان مصدر قوته الأكبر، أي الأمن، الّذي هو نفسه بات أحد أكبر مصادر الشكوك حول مستقبله السياسي.
الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول المقبل لن تكون مجرد منافسة بين أحزاب وبرامج، بل استفتاءً على سؤال أكبر: هل ما زال الإسرائيلي يرى في نتنياهو الرجل الأقدر على إدارة دولة محاصرة بالحروب، أم أن كثرة الجبهات بدأت تتحول في وعيه من دليل قوة إلى دليل فشل في إنتاج نهاية سياسية للصراع؟
أمنٌ بلا طمأنينة
التحدي الأكبر أمام نتنياهو أن الناخب الإسرائيلي لا يعيش حالة انتصار أمني صافية. فقد أظهر مسح لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن 42% من الإسرائيليين صنفوا الوضع الأمني في حزيران الفائت بأنه سيئ أو سيئ جدًا، مقابل 20% فقط رأوه جيدًا أو جيدًا جدًا. والأكثر دلالة أن 81% اعتبروا أن الوضع الأمني في الشمال لا يوفر الأمان للسكان. كما بقيت إيران ولبنان في صدارة مصادر القلق الأمني.
هذه الأرقام تعني أن نجاح الحكومة في توجيه ضربات عسكرية لا يتحول تلقائيًا إلى رصيد انتخابي. الناخب يريد شيئًا أكثر بساطة: هل أصبح منزله أكثر أمانًا؟ وهل باتت الحدود أكثر استقرارًا؟ وهل انتهت الحروب أم أنها فقط انتقلت من جبهة إلى أخرى؟
وهنا يبدأ مأزق نتنياهو.
اليمين يتشقق
المشكلة الثانية ليست في المعارضة وحدها، بل في البيت اليميني نفسه. فنتنياهو يضغط منذ أسابيع لتوحيد القوى اليمينية الصغيرة خشية تبديد أصواتها تحت عتبة الحسم الانتخابي البالغة 3.25%. وقد رفض إيتمار بن غفير إعادة الاندماج مع بتسلئيل سموتريتش، فيما اتجه الأخير إلى تحالف جديد، بينما يواصل الجنرال السابق أوفير وينتر خوض المعركة منفردًا.
المعنى السياسي هنا بالغ الأهمية: الخطر على نتنياهو ليس بالضرورة أن يتحول أنصاره إلى معسكر آخر؛ بل أن يبقوا في معسكره ويصوّتوا لأحزاب صغيرة تؤدي إلى خسارة المعسكر كله مقاعد حاسمة.
وفي النظام الإسرائيلي، هذه ليست تفصيلة تقنية. الكنيست ينتخب عبر قوائم حزبية وبنظام نسبي، ومع وجود نسبة حسم 3.25% يمكن لبضعة آلاف من الأصوات أن تحدد ما إذا كان مقعد إضافي سيذهب إلى اليمين أو لا.
بين الأمن والمحاسبة
نتنياهو يعرف أن خصومه سيحاولون تحويل انتخابات 2026 إلى محاكمة سياسية لفترة ما بعد هجوم 7 تشرين الأول. وتزداد حساسية هذا الملف مع استمرار الجدل حول المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقته.
والأهم أن الجدل لم يعد محصورًا في المعارضة؛ فقد أثارت تقارير جديدة، ظهرت قبيل الانتخابات، اتهامات لنتنياهو بأنه تلقى تحذيرًا مسبقًا من احتمال شن حماس هجومًا واسعًا، وهي رواية ينفيها رئيس الحكومة. سياسيًا، لا تحتاج هذه الرواية إلى أن تثبت قضائيًا حتى تكون مؤثرة؛ يكفي أن تعيد إلى الناخب سؤالًا ظل يؤرقه منذ 2023: من يتحمل المسؤولية عما حدث؟
وهنا يحدث التحول الأخطر. الأمن الذي كان يمنح رئيس الوزراء الاسرائيلي صورة «الحامي» يمكن أن يتحول إلى أداة مساءلة: لماذا حصلت الكارثة أصلًا؟ ولماذا لم تؤدِّ كل الحروب اللاحقة إلى شعور مستقر بالأمان؟
إيران ولبنان
الملف الإيراني لن يختفي من الحملة. لكنه أيضًا ليس مضمونًا أن يعمل لصالح نتنياهو كما قد يُفترض. فقد أظهرت استطلاعات معهد دراسات الأمن القومي أن غالبية الإسرائيليين لم تعتبر الحرب مع إيران انتصارًا إسرائيليًا حاسمًا؛ 43% رأوا أنها انتهت بلا حسم، و37% اعتبروا أن طهران خرجت منتصرة، مقابل 15% فقط رأوا إسرائيل منتصرة.
أما في الشمال، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا. غالبية كبيرة تؤيد استمرار الضغط العسكري على حزب الله، لكنها في الوقت نفسه لا ترى أن الوضع الحالي يحقق الأمان للسكان. وهذه معادلة تكشف رغبة الإسرائيلي في الحسم من دون حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية.
وهنا تحديدًا يمكن أن تصبح تجربة سكان الشمال عاملاً انتخابيًا مؤثرًا، لأن الناخب الذي يقيس السياسة بقدرته على العودة إلى منزله لا يكتفي بسؤال: من انتصر؟ بل يسأل: متى تنتهي حالة الطوارئ؟
سباق نتنياهو
المعطيات الأخيرة لا تسمح بإعلان سقوط نتنياهو مسبقًا. بل إن متوسطًا حديثًا للاستطلاعات أظهر عودة الليكود إلى صدارة الأحزاب بنحو 24 مقعدًا مقابل 23 لحزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت، مع تقدم ائتلاف الحكومة هامشيًا على المعارضة في بعض القياسات.
لكن هذا لا يعني أن نتنياهو استعاد زمام المبادرة. ما يواجهه هو معركة هوامش صغيرة، ويمكن لتحالفات الأيام الأخيرة، ونسبة الإقبال، وأداء الأحزاب القريبة من عتبة الحسم، أن تقلب الحسابات.
لذلك فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليست معركة حول سؤال «هل إسرائيل يمينية أم لا؟» بقدر ما هي معركة حول أي يمين سيحكم، ومن يقوده، وبأي كلفة أمنية وسياسية.
وقد تكون المفارقة الكبرى أن نتنياهو لا يخشى فقط أن يصوّت الإسرائيلي ضده؛ بل أن يصوّت يمينًا من دونه.
في هذه الحالة، لن تكون الانتخابات رفضًا لعقيدته الأمنية بقدر ما ستكون رسالة مفادها أن المجتمع الإسرائيلي ما زال يريد القوة، لكنه بدأ يشك في الرجل الذي احتكر تقديم نفسه بوصفه حارسها الوحيد.























































