الصليب هو أيقونة الأيقونات، وحضوره في الكنيسة، سواء في قلب المؤمنين وإيمانهم، أم في الفن الإيقونوغرافي، هو علامة انتصار وظفر. وكيف لا، وقد أمات الرب يسوع المسيح الموت بموته، بحسب طبيعته البشرية، وقام بسلطان طبيعته الإلهية.
فمنذ القرون الأولى، صوّر المسيحيون الصليب ليعبّروا عن القيامة، لأن بقيامة المسيح بَطَلَ الموت وأصبح رقادًا. فكان الفصح والعبور إلى السماوات من خلال الصليب. وهذا تمامًا ما نرتّله في عيد رفع الصليب المحيي: «لصليبك يا رب نسجد، ولقيامتك المقدسة نمجّد».
كما لم يتأخر المؤمنون عن رسم إشارة الصليب على أجسادهم. ويخبرنا ترتليانس، في أوائل القرن الثالث، أن المسيحيين كانوا يرسمون إشارة الصليب على جباههم أثناء قيامهم بأعمالهم اليومية وأثناء الصلاة. ويبدو أن الإشارة كانت صليبًا صغيرًا يُرسم على الجبهة، وليس بالضرورة الحركة الكبيرة عبر كامل الجسد التي نقوم بها اليوم.
وبغضّ النظر عن ذلك، فإن المقصد هو ذاته؛ وهذا يعني أن الصليب كان من صميم الإيمان المسيحي، وأن المؤمنين كانوا يطلبون البركة ويعيشون حضور المسيح القائم في حياتهم بشكل دائم. وهذا ما يجب أن نعيشه في كل مرة نرسم فيها إشارة الصليب المقدّس.
رسم إشارة الصليب يعني: «أنا أنتمي إلى المسيح». والانتماء ليس كلامًا أو انتماءً عائليًا، بل عيشٌ وتطبيق، وإلّا أصبحت العلامة خارجيةً من دون روح. لهذا، فالصليب حاضر في جميع صلواتنا وأسرارنا الكنسية. والهدف من الصلوات وإقامة الأسرار في الكنيسة، بدءًا من المعمودية، هو أن نصبح شهداء أحياء للمسيح يسوع. والشهادة تبدأ أولًا بالتوبة الدائمة، أي بالسير في طريق المسيح والتطلّع إلى وجهه القدّوس.
حياتنا معركة دائمة وجهاد مستمر من أجل خلاص نفوسنا، وهذا يجعلنا جنودًا للمسيح.
أن يكون المؤمن جنديًا للمسيح ليس بالأمر الغريب إطلاقًا؛ فما كتبه ترتليانس في مؤلَّفه «إكليل الجندي» (De Corona Militis) هو خير دلالة على ذلك. فهو يروي قصة جندي مسيحي رفض أن يضع إكليل الغار الإمبراطوري على رأسه، كسائر الجنود، أثناء احتفال عسكري روماني، لارتباطه بالعبادة الوثنية، فتعرّض للسخرية من بقية الجنود. وعندما سأله قائد المعسكر عن سبب ذلك، أجابه: «أنا مسيحي». فحُكم عليه.
فالإيمان المسيحي يجب أن يظهر في السلوك الخارجي أيضًا، لأنّه عيشٌ وممارسة، وليس كلامًا فقط. فالإكليل لم يكن مجرد غصن أخضر جميل، بل كان يحمل رمزيةً دينيةً وثنية. وقد ذكر ترتليانس أن رأس الرجل هو المسيح بحسب ما قال بولس الرسول. وطبعًا، لم يكن يتكلم عن الجمجمة، بل عن الذهن. ولهذا، فإن هذا التعبير الوثني مرفوض بالكامل، مهما كان جميلًا وجذّابًا.
وهذا يشمل الكثير من الأمور التي تواجهنا في حياتنا، من ممارسات وتصرفات وأفكار وشعائر وغيرها. فنحن للمسيح جسدًا وروحًا، لأننا هيكل للروح القدس: «أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟» (1 كورنثوس 3: 16). وإكليل المسيحي هو ما يعطيه المسيح نفسه، وهو إكليل القداسة، بعد توبة وجهاد. ومكافأة المسيحي يعطيها الرب له، ويزيده نعمةً فوق نعمة، إذا كان طريقه مستقيمًا.
فلا نستبدل الإكليل الأبدي الذي يعطيه المسيح بإكليل أرضي مؤقت، مرتبط بالمجد البشري الفاني.
عودةً إلى الصليب، فالعلاقة بينه وبين الإكليل لا تنفصل. والذي يريد أن يتكلّل بإكليل الغار الذي لا تذبل أوراقه، عليه أولًا أن يضع على رأسه إكليل الشوك الذي وُضع على رأس المخلّص.
لا نتكلّم عن إكليل مادي، بل عن إكليل قتل الأنا والكبرياء والحسد والغيرة والشهوة، وكل الأهواء الضارة التي تُسقط الإنسان. فالمسيحي لا ينبغي أن يقيس انتصاره بمعايير العالم ومجده الزائف، لأن المسيح أعطانا نموذجًا مختلفًا للنصر، وهو سيرته وأقواله وأفعاله.
لهذا قال القديس كيرلس الأورشليمي (حوالي سنة 350م): «ليكن الصليب ختمنا، نصنعه بجرأة بأصابعنا على جباهنا، وعلى كل شيء».
وفي الخلاصة، يقول لنا الرب: «كُن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة» (رؤيا 2: 10). لأن بعد الصليب القيامة.
إلى الرب نطلب.
























































