أصدر قداسة البابا لاوون أمرًا إداريًا (moto proprio) تحت اسمMutua] Concordia - التوافق المتبادل] قضي بتعديل قوانين الكنائس الشرقيّة بحيث يسمح لمجمع الأساقفة بحطّ البطريرك عن كرسيّه لأسبابٍ خطيرة، وأيضًا يسمح للأقدم رسامةً من الأساقفة بدعوة المجمع إِلى الإِنعقاد في حال ٱمتناع البطريرك عن دعوته. ومن المرتقب أيضًا صدور تعديلات أُخرى تطبيقًا للمسار السينودوسيّ الذي أطلقه قداسة البابا الرّاحل فرنسيس.
قِيل الكثير عن التوقيت والصلاحيّات، لكن لم يُقَل ما يَكفي عن الدافع لهذه القرارات ألَا وهي "السينودوسيّة". ما هي السينودوسيّة وكيف تؤثر على حياة الكنيسة الداخليّة، وهل هي حقًا معموديّة جديدة؟
تعريف المسار السينودوسيّ
السينودوسيّة كلمة يونانيّة تعني "السَير معًا". أصل الفكرة أتى من سفر أعمال الرسل حيث يقول النصّ المـُلهَم: "كان كلّ شيء مُشتَرَكًا فيما بينهم" (أع 2/ 44). أي الكنيسة بجميع أعضائها تصلّي معًا، تسير معًا، تُفكِّر معًا، والأهم تأخذ القرارات معًا وهنا بيت القصيد. من هنا أطلق قداسة البابا الرّاحل فرنسيس هذا النهج الجديد في كلّ العالم، وبعث بأسئلة محددة إِلى كل أبرشيّات المسكونة وأُطلِقَت وُرَش عمل بدءً بالرعايا والأبرشيّات وصولًا إِلى مستوى المجامع المحليّة. وجُمِعَت تلك الأسئلة وأُرسِلَت إِلى الفاتيكان. وبناءً على الأجوبة، إِنعقدت لجنة مركزيّة عالميّة في الفاتيكان مؤلّفة من أكثر من 300 أُسقف وبطريرك في خريف سنة 2024 حيث قُسِّموا إِلى حلقات حِوَاريّة ٱنضمّ إِليها علمانيّون وشباب ملتزمون بالكنيسة وجرت مناقشة أغلب المواضيع الشائكة على مثال رسامة الشمّاسات، زواج الكهنة، ورسامة المتزوجين، العلاقة بين الأسقف والكهنة، العلاقة بين الأساقفة، العلاقة بين الكاهن والعلمانيّين، دور المرأة في الكنيسة الخ... ووُضِعَت خُلاصَات وقُدِّمَت إِلى اللجنة العُليا التي بدورها وضعت الوثيقة النهائيّة للسينودوسيّة[1] بإشراف وموافقة وبركة قداسة البابا فرنسيس. هذه الوثيقة، وللأسف، لم تُأْخَذ على محمل الجدّ من قِبَل كثير من الإكليروس المشرقيّ وبخاصّة "المـُثقّف" منهم. والطامة الكبرى، أنّ الذين آمنوا بها ٱعتبروا أنّها تُعيد الإِعتبار إِلى العلمانيّين بغية إشراكهم في حياة الكنيسة الداخليّة لناحية تسليمهم مسؤوليّات وبخاصة الشباب منهم. أنا شخصيًّا قد تابعت هذا الأمر عن كثب وقُمت بحضور دورتين من أجل أن أعرف التوجّه العّام. فوجِئت بالتركيز على إشراك العلمانيين والإهمال المقصود لا بل المـُتَعَمَّد لباقي النقاط. لم يتسنَّ لي الإِعتراض على هذا الموضوع وقتها لكنّي اليوم أرفع الصوت مع قداسة البابا لاوون.
السينودوسيّة في الكنيسة البيزنطيّة
قداسة البابا لاوون، بقراره الأخير، أعاد تصويب البوصلة ووضع النقاط على الحروف. وهنا أنوِّه بهذه الجُرأة وهذا الإلتزام الذي أبداه قداسة البابا لناحية تكملة المسار الذي أُطلق، وصولًا إِلى تنفيذ الوعود التي قُطِعت، على سبيل المثال زيارة لبنان التي كانت مقرّرة منذ أيام البابا الراحل. البابا، ومن خلال قراره، شدّد على أنّ خَلفيّة ما أُعلِن ينبع من "المسار السينودوسيّ" وليس له أيّ بُعدٍ آخر والغاية منه تعزيز الشَرِكَة الكنسيّة وإبعاد روح التسلّط. وهذه هي بالفعل الغاية من كل ما تفعله الكنيسة الكاثوليكيّة لأنّ أغلب المشاكل إذا لم نقلّ كُلّها تتجذّر في التفرّد في السلطة والقرار، بعيدًا عن أيّ شَرِكَة حقيقيّة، لا مع الأدنى رتبة، أو حتى مع المساوي له في الرُتبة. المعاناة الكُبرى التي كانت، والحاصلة الآن، هي روح التسلّط والسيطرة والإِبتعاد عن كل القِيم الإنجيليّة الّا فيما يوافقنا وإلغاء الآخرين أو تهميشهم تحت حجج متعددة مضلّلة. يعيد البابا الكرامة إِلى الأسقفيّة إِنطلاقًا من المبدأ اللاهوتيّ (PRIMUS INTERPARES): أيّ البطريرك هو أوّل بين متساوين. في طقسنا البيزنطيّ يُعطى الأسقف عند رسامته إيقونة السيّد الربّ ليلبسها في عنقه رمزًا إِلى أنّه المسيح المنظور وٱنطلاقًا من القول المشهور للقديس أغناطيوس الأنطاكيّ: "حيث الأسقف هناك الكنيسة". بلغ هذا القول رتبةً ساميَةً جدًا لدرجة ٱعتماده بالمطلق من قبل الكنيسة الكاثوليكيّة والكنيسة الأورثوذكسيّة وأصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يُصبح عقيدة. السيّد البطريرك يُقلَّد عند ٱنتخابه إيقونة السيّدة والدة الإله رمزًا إِلى أنّه يُمثِّل ومنذ الآن الشَرِكة والمحبّة فيما بين الأساقفة. لهذه الدلالات، أعطيت هذا المِثال لأُبرهِن أنَّ الكنيسة البيزنطيّة، ومنذ القِدَم، شدَّدَت على الشَرِكَة بين الأساقفة والبطريرك وبين الكنائس البيزنطيّة من الناحية المنظورة، بواسطة الإنغولبيون، وغير المنظورة لناحيَة الصلاحيّات. من ناحيَة أخرى تبرُز القِيَم السينودوسيّة في الكنيسة البيزنطيّة حتّى يُخيَّل لي أنّها كانت سبّاقة في هذا المِضمار. نذكر أنّ في الرسامات يُطلب، حُكمًا، صوت وموافقة الشعب عن طريق سؤال الأُسقف للشعب: مُستَحِقّ؟ فيرُدّ الشعب: أكسيوس، أيّ مُستحقّ. ويمكن للشعب أن يردّ: أناكسيوس، أي غير مستحق فتتوقف الرسامة. وهذا ما تُطالِب به الكنيسة في ألمانيا لناحية إشراك الرعية والعلمانيّين في إبداء الرأي في الأشخاص المـُرشحين للرسامات وهو بالفعل ما لحظته الوثيقة الختاميّة.
الإصلاحات السينودوسيّة
السينودوسيّة لا تُغفِل أبدًا دور العلمانيّين وبخاصة الشباب منهم في بناء كنيسة المستقبل وملكوت الله. وتلحظ دور المرأة الرئيسيّ في الصلوات والخدمة الصامتة ووراء الكواليس على مثال السيِّدة والدة الإله. وهو، بناء على الواقع الذي نعيشه، أصبح من البديهيّات ولم أسمع بأحد من الإكليروس الكاثوليكيّ يتحفظ أو يحارب الشباب أو يُحجِم عن إعطاء دور للمرأة في الحياة الكنسيّة. لكن هناك من يُتاجِر بهذا الموضوع لغاية في نفس يهوذا. وهذا الأمر لم يعُد مستساغًا لدى كثيرين لأنّ الواقع أقوى بكثير من الكلام والنظريّات. من ناحية أُخرى هناك كثير من المواقع التي يشغلها الإكليروس يمكن أن يشغلها علمانيّون وبكفاءة وشفافيّة وإنتاجيّة أكبر. على سبيل المثال: المدارس، المستشفيات، التدقيق بالحسابات، القيميّة على مختلف مستوياتها إن في الرهبانيّات أو الأبرشيّات أو البطريركيّات... ننوّه بقيام بعض السادة البطاركة والأساقفة بجهد ملحوظ في هذا المضمار على أمَل أن تحذو الرهبانيّات حذوهم ويعود خلاص النفوس هو الهمّ الأوحد للرهبان والراهبات ولا سيّما وأنّ بعض المواقع الإداريّة للأسف أصبحت مصدر عثرة وشكًّا للناس.
العِبرَة والمُرتَجَى
ختامًا، يبدو ويجب، أنّ هذه القرارت سَتُتبَع بإجراءات وتدابير مماثلة على صعيد المجالس الكهنوتيّة في الأبرشيّات والمجامع الرهبانيّة أُسوةً بمجامع الأساقفة. ممّا يُعزز الشفافيّة والمحاسبة ويعطي زخمًا وحياةً لتلك المجالس ويُبعد هواجس الديكتاتوريّة والإِنغلاق والإِنعزال والتفرّد بالرأي وشبهات الفساد المالي والأخلاقيّ. أنا أؤمن أن هذا المسار سيقود حتمًا إِلى معموديّة جديدة لأنّ فيها موتًا لإنسان قديم بليد خائف منعزل مُشكِّك، وقيامة إِلى إنسان على صورة السيّد الربّ نقيّة طاهرة لا عيب فيها ولا غضن. أصلِّي أن يؤتي الروح القدس القوّة والحكمة لقداسة البابا لاوون 14 حتى يتمكن من إكمال المسيرة السينودوسيّة بأمانة ومثابرة وشجاعة لأنَّ آمالنا وآمال كنيسة المستقبل هي بين يديه وأضع قرارته تحت ذيل حماية سيدتنا الفائقة القداسة مريم.
[1] https://www.synod.va/content/dam/synod/news/2024-10-26_final-document/ARA--Ducument-final.pdf






















































