في اليوم الذي اختار فيه رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ منطقة ​النبطية​ ليؤكد حضور الدولة وثوابتها في الجنوب، اختار الرئيس السابق للحزب الاشتراكي ​وليد جنبلاط​ أن يرفع مستوى التحذير من المسار الذي يُفترض أن يقود إلى تحقيق تلك الثوابت. لم يهاجم الزعيم الدرزي رئيس الجمهورية، ولم يعلن رفضه للتفاوض، لكنه أعطى صورةً قاتمةً للمفاوضات، واصفًا إياها بأنّها «أفقٌ مسدود»، وكأنّ الاتصالات والوعود لم تعد كافية، داعيًا إلى خطةٍ لمساعدة أهل الجنوب، وأخرى لـ«الصمود». وفي السياسة ال​لبنان​ية، يصعب التعامل مع هذا التزامن بوصفه مجرّد مصادفةٍ زمنية.

جوهر التحوّل في موقف جنبلاط لا يبدو رفضًا للتفاوض بقدر ما هو شكٌّ في الإطار الذي يجري من خلاله. فتمسّكه باتفاقية الهدنة لعام 1949 يتجاوز وقف إطلاق النار: تثبيتُ مرجعيةٍ تجعل الانسحاب ال​إسرائيل​ي نقطةَ انطلاقٍ، لا نتيجةً قابلةً للمقايضة في تفاوضٍ طويلٍ على ترتيباتٍ أمنيةٍ جديدة.

فالخطر، في نظره، ليس فقط أن تتأخر إسرائيل في الانسحاب، وإنما أن يتحوّل الانسحاب الجزئي أو المرحلي إلى أمرٍ واقعٍ دائم، تبقى معه مواقع أو مناطق نفوذٍ إسرائيلية داخل لبنان تحت عناوين أمنيةٍ مختلفة.

من هنا، فإنّ الهدنة تضع الأولويات وفق الرؤية اللبنانية: لا لتحويل سلاح ​حزب الله​ إلى المدخل الأول لأيّ تسويةٍ قبل ضمان الانسحاب الإسرائيلي، لأنّه يحمل مخاطرةً بأن يدفع لبنان ثمنين في آنٍ واحد: استمرار الاحتلال من جهةٍ، وتقديم تنازلاتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ من جهةٍ أخرى.

في هذا السياق، يمكن قراءة ابتعاد جنبلاط النسبي عن عون. فالابتعاد عن بعبدا، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحةً عبر الموفدين عند الحاجة، يمنح جنبلاط هامشًا يسمح له بالنأي بنفسه عن أيّ تسويةٍ قد تنتهي إلى صيغةٍ لا يطمئن إليها، من دون أن يتحوّل إلى خصمٍ للرئيس أو للدولة.

وهنا يصبح التقارب النسبي مع رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ أكثر قابليةً للفهم. فجنبلاط لا يعود إلى اصطفافه التقليدي مع الثنائي الشيعي، وإنما يلتقي مع بري على نقطةٍ محددة: التفاوض ممكن، لكن لا ينبغي أن يتحوّل إلى تفويضٍ مفتوحٍ للوسيط الأميركي، ولا إلى مسارٍ تُقدَّم فيه التنازلات اللبنانية قبل ضمان الانسحاب الإسرائيلي.

أما علاقة جنبلاط بأميركا، فتبدو في صلب هذا التحوّل. فمشكلته ليست مع ​الولايات المتحدة​ كدولة، بل مع قدرتها على لعب دور الوسيط المتوازن بين لبنان وإسرائيل.

ومن هنا يمكن فهم حساسيته تجاه إبعاد ​فرنسا​ وأوروبا عن المسار الذي انتهجه لبنان. فوجود باريس، بما لها من علاقةٍ تاريخيةٍ بلبنان، وحضورٍ في «​اليونيفيل​»، وشبكةِ علاقاتٍ أوروبية، لا يعني استبدال الوساطة الأميركية، بل منع احتكارها.

ولذلك تبدو مرجعيات الهدنة و​القرار 1701​ والقوات الدولية في الجنوب مهمّةً في حساب جنبلاط؛ فهي توفّر للبنان إطارًا دوليًا أوسع من أيّ تفاهمٍ ثنائي، وتمنحه أوراقًا قانونيةً وسياسيةً في مواجهة محاولة تحويل الترتيبات الأمنية إلى واقعٍ جديدٍ على الأرض.

وعندما وضع جنبلاط موقفه في اليوم نفسه الذي زار فيه عون النبطية، بدا كأنّه يوجّه رسالةً غير مباشرةٍ إلى الرئاسة: حضور الدولة في الجنوب ضروري، لكن لا ينبغي أن يتحوّل نجاح هذا الحضور إلى رهانٍ على نجاح الاتصالات وحدها.

ومن هنا أيضًا تأتي دعوته إلى «الصمود»، فهي لا تعني بالضرورة الدعوة إلى الحرب، بل رفض جعل الانتظار سياسةً بحدّ ذاته. وهو لا يبدو أنّه يعمل على اختيار محورٍ جديد، بقدر ما يعيد توزيع رهاناته.

لذلك، قد لا يكون جنبلاط قد فتح جبهةً مع عون، لكنه فتح، من بوابة النبطية، نقاشًا حول الطريق الذي تسلكه الرئاسة، ودعا إلى أن تدخل الدولة أيّ تسويةٍ وهي تملك ضماناتٍ وأوراقًا كافيةً.

وهذا هو الفارق بين دعم التفاوض والرهان عليه: جنبلاط لا يغلق الباب، لكنه لم يعد مستعدًا للوقوف خلفه وانتظار ما سيأتي من الخارج.