أشار راعي أبرشيّة مار مارون في كندا المطران بول مروان تابت، خلال ترؤّسه الذّبيحة الإلهيّة في الذّكرى الرّابعة والأربعين لاغتيال رئيس الجمهوريّة الأسبق بشير الجميل و"شهداء القوّات اللّبنانيّة"، في كاتدرائيّة مار مارون في مونتريال، إلى أنّ "هذه الذّكرى أصبحت موعدًا سنويًّا نلتقي فيه في مونتريال، نستعيد أسماء من رحلوا ووجوههم وتضحياتهم. غير أنّ الإيمان المسيحي لا يجعل من الذّكرى غايةً في ذاتها. فالذّكرى، في ضوء المسيح القائم من الموت، تتحوّل إلى صلاة وتأمّل في معنى الحياة والمسؤوليّة".
ولفت إلى "أنّنا حين نتذكر الّذين سبقونا، يطرَح أمام كلّ واحد منّا سؤال جوهري: ماذا نفعل بما وهبنا الله من عمر ووقت وطاقات، ولأي شيء نكرّس حياتنا؟ وهل نستطيع أن نحوّل أفراحنا إلى مواساة للآخرين، وآلامنا إلى رجاء، وانقساماتنا إلى مصالحة، ومخاوفنا إلى إيمان؟".
وشدّد المطران تابت على أنّ "الشّهادة في معناها الأعمق، هي شهادة للحق وللكرامة الإنسانيّة ولما يؤمن به الإنسان. والّذين نذكرهم اليوم، حملوا قناعاتهم حتى النّهاية، ودفعوا ثمنًا غاليًا لما آمنوا به"، معتبرًا أنّ "الوفاء الحقيقي لهم لا يقتصر على استعادة أسمائهم أو رفع صورهم، بل يقتضي أن نسأل أنفسنا: هل نحن مستعدّون لتحمّل مسؤوليّة الوطن الّذي حلموا به؟ وهل نستطيع، بعد كلّ ما خسره لبنان، أن نبني دولةً أقوى بالعدالة، وأغنى بالمحبّة، وأكثر ابتعادًا عن العنف والثّأر؟".
وأوضح أنّ "من هنا، تكتسب صلاتنا اليوم معناها الأعمق، لا سيّما أنّنا نحتفل أيضًا بعيد ارتفاع الصليب المقدس. فالصليب يفتح أمامنا طريقًا لفهم الشّهادة والتضحية، لا بمنطق تمجيد الموت، بل بمنطق بذل الذّات من أجل الحياة. المسيح على الصليب لا يأخذ حياة أحد، بل يبذل حياته من أجل الآخرين".
وأضاف: "لذلك، يبقى الصليب المعيار المسيحي الّذي نقيس به كلّ حديث عن التضحية والشّهادة: هل تقود التضحية إلى الحياة، أم إلى مزيد من الموت؟ هل تفتح الطريق أمام المصالحة، أم تعمق الجراح؟ وهل تجعل من ذاكرتنا مسؤوليّة تجاه المستقبل؟"، مبيّنًا أنّ "تذكّر شهدائنا يقودنا اليوم إلى ثلاث دعوات مترابطة، فمن الذّكرى إلى الصلاة، نستحضر الّذين رحلوا لا لكي نبقى أسرى الماضي، بل لكي نضعهم أمام رحمة الله، ونصلّي من أجلهم ومن أجل عائلاتهم ومن أجل لبنان".
كما ركّز تابت على أنّ "من التضحية إلى معنى الصليب، نتعلّم من المسيح أنّ التضحية المسيحيّة ليست تمجيدًا للعنف أو للموت، بل بذل للذّات في سبيل الحق والمحبّة وخدمة الإنسان. ومن الموت إلى الحياة، فإنجيل يوحنا لا يتوقّف عند الصليب، بل يربطه بالحياة الأبدية".
ورأى أنّ "أفضل وفاء لشهدائنا، هو أن نحفظ ذاكرتهم من الحقد وأن نحترم تضحياتهم من دون أن نمجد الموت، وأن نحمل من الماضي عبرته من دون أن نرهن له مستقبلنا"، متابعًا: "لقد رحلوا، لكن لبنان بقي أمانة في أعناقنا".
واعتبر أنّ "من مسؤوليّتنا أن نجعل من حياتنا عطيّةً للآخرين في خدمة الإنسان والدّفاع عن كرامته، وترسيخ دولة يسود فيها الحق والقانون، وحماية لبنان من أن يعود ساحةً للصراع والانقسام. ففي عيد ارتفاع الصليب، نتعلّم أنّ طريق القيامة يمرّ بالصليب، وأنّ الخلاص قد يمرّ أحيانًا عبر الألم والتضحية، لكن الصليب لا ينتهي بالقبر، بل ينفتح على القيامة".
وأشار إلى أنّ "كذلك ينبغي لذاكرتنا أن تكون طريقًا إلى المصالحة، لا سببا لاستمرار الجراح، وجسرًا نحو السّلام، لا جدارًا يفصل اللّبنانيّين بعضهم عن بعض. لذلك، ونحن نرفع صلاتنا اليوم من أجل شهداء "القوات اللبنانية"، نصلّي من أجل كلّ شهيد، ومن أجل عائلات الشّهداء، ومن أجل لبنان وشعبه، ومن أجل كلّ إنسان لا يزال يحمل في قلبه جرحًا من جراح الحرب".
إلى ذلك، أكّد تابت أنّ "المرحلة الّتي يمر بها لبنان تفرض خيارًا لا يحتمل التأجيل، وهو المضي قُدمًا وبجرأة في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وصولًا إلى سلام عادل ودائم. هذا السّلام هو المدخل الطبيعي لانسحاب إسرائيل من الأرضي الّتي تحتلّها، وعودة ابن الجنوب إلى قريته وبيته، وإعادة الأسرى والمفقودين إلى عائلاتهم"، لافتًا إلى أنّ "لا إعمار للقرى المدمَّرة، ولا نهوض للاقتصاد المنهار، ولا أمن ولا استقرار، إلّا بإنهاء حالة الحرب، واستعادة الدّولة قرار الحرب والسّلم وحصر السّلاح بيد القوى الأمنيّة الشّرعيّة".
وشدّد على أنّه "كفى لبنان حروبًا عبثيّةً منذ العام 1969. كفى الجنوب تدميرًا وتهجيرًا وتشريدًا. فهذه الحروب دمّرت الجنوب وحبست لبنان رهينةً لمصالح الآخرين. الدّولة القويّة وحدها تفاوض وتحمي وتحرّر وتبني. والسّلام هو السّلاح الحقيقي لاستعادة السّيادة وبناء دولة الحداثة والشّفافيّة".
وختم: "لنرفع أعيننا دائمًا إلى المسيح القائم من الموت، لأنّ دعوتنا النّهائيّة ليست إلى البقاء في أسر الذّكرى، بل إلى اختيار الحياة، ليست إلى توريث الجراح، بل إلى مداواتها، وليست إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى تحويله إلى حكمة ومسؤوليّة ورجاء. وهكذا يصحّ قول الإنجيلي يوحنا: "لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة".




















































