قد تبدو موازنة لبنان لعام 2027 مختلفة عن السنوات السابقة لأنها تدخل للمرة الأولى منذ سنوات طويلة تقريبًا من دون عجز معلن ومن دون تمويل للموازنة عبر قروض داخلية أو خارجية. لكن خلف هذا الانضباط الحسابي تختبئ مسألة أكثر أهمية من رقم العجز نفسه: من يدفع ثمن الدولة اللبنانية؟
الجواب الذي توفره أرقام مشروع الموازنة ليس بسيطًا. فالدولة تتوقع تحصيل 528.223 تريليون ليرة من الإيرادات الضريبية، مقابل 86.722 تريليونًا فقط من الإيرادات غير الضريبية. أي أن الضرائب تشكل نحو 86 في المئة من الإيرادات الإجمالية المقدرة.
لكن حين نفكك هذا الرقم، تظهر صورة أكثر دلالة: الجزء الأكبر من الإيرادات لا يأتي من الأرباح أو الثروات أو الملكيات الكبرى، بل من السلع والخدمات والتجارة والاستهلاك. وهنا تكمن القصة الحقيقية للموازنة.
ضريبة المواطن أولًا
يقدّر المشروع الإيرادات من الرسوم الداخلية على السلع والخدمات بـ321.426 تريليون ليرة، وهو أكبر بند ضريبي على الإطلاق. وتبلغ ضريبة القيمة المضافة وحدها205.667 تريليون ليرة، بعد أن بلغت 185.688 تريليونًا في موازنة 2026، فيما بلغ التحصيل الفعلي عام 2025 نحو 179.249 تريليونًا.
وهذه الأرقام تضع ضريبة الاستهلاك في قلب تمويل الدولة.
من الناحية المالية البحتة، لا توجد مشكلة في الاعتماد على ضريبة القيمة المضافة؛ فهي سهلة نسبيًا في التحصيل وواسعة القاعدة. لكن المشكلة اللبنانية تكمن في أن الاقتصاد الذي تُفرض فيه هذه الضريبة ليس اقتصادًا متعافيًا بعد. فقد أشار البنك الدولي إلى أن التضخم بلغ 14.6 في المئة في 2025، وأن الفقر بين اللبنانيين لا يزال مرتفعًا، فيما أدت التطورات الأمنية الجديدة إلى تعطيل التعافي الهش للاقتصاد.
ولهذا تصبح المسألة أكثر من مجرد حساب ضريبي. فكلما اتسعت حصة الضرائب على الاستهلاك من الخزينة، أصبحت الأسر، ولا سيما ذات الدخل المحدود والمتوسط، أكثر تعرضًا لتمويل الدولة مباشرة من إنفاقها اليومي.
وهذه ليست ملاحظة نظرية. فقد خلص صندوق النقد في تقييمه لسياسة الضرائب اللبنانية إلى أن تصميم النظام الضريبي يحتاج إلى أن يصبح أكثر كفاءة وفعالية وشمولًا، بعدما دخل لبنان الأزمة أصلًا مع تفاوت كبير في توزيع الدخل والثروة. كما حذر من الاعتماد المجزأ على إجراءات ضريبية متفرقة بدل إصلاح النظام ككل.
الأرباح ليست في المركز
عند الانتقال إلى الضرائب المباشرة، تتضح الفجوة.
تقدّر الموازنة إيرادات الضريبة على الدخل والأرباح ورؤوس الأموال بـ79.604 تريليون ليرة. ومن هذا المبلغ، تبلغ ضريبة الدخل على الأرباح 39.758 تريليونًا، في حين تبلغ الضريبة على الرواتب والأجور33.495 تريليونًا. أما الضرائب على رؤوس الأموال المنقولة فلا تتجاوز 2.195 تريليون، والضريبة على فوائد المصارف 2.274 تريليونًا.
هذه الأرقام تكشف مفارقة تستحق التوقف عندها.
فالضريبة على الرواتب والأجور وحدها تقترب من حجم الضريبة على أرباح الشركات. وإذا قورنت بالإيرادات الضريبية الإجمالية، فإن ضريبة الرواتب والأجور تمثل نحو6.3 في المئة، بينما تمثل ضريبة الأرباح نحو 7.5 في المئة فقط.
أما القيمة المضافة وحدها فتشكل قرابة39 في المئة من إجمالي الإيرادات الضريبية.
لا يعني ذلك أن الموظف يتحمل ضريبة تفوق صاحب الشركة؛ فهناك تفاوت كبير في القاعدة الخاضعة لكل ضريبة، كما أنّ الشركات تدفع ضرائب ورسومًا أخرى. لكنه يعني شيئًا أكثر دقة: الخزينة تعتمد على النشاط الاستهلاكي وعلى الدخل السهل الرصد أكثر مما تعتمد على فرض ضريبة شاملة على الثروة والدخول الأعلى.
وهذا تحديدًا هو النوع من التركيب الضريبي الذي يحتاج إلى مراجعة إذا كان الهدف بناء دولة ذات إيرادات مستدامة وليس مجرد زيادة التحصيل.
الملكية خارج دائرة الضوء؟
يظهر في المشروع 34.048 تريليون ليرة من الضرائب على الأملاك، مقابل 36.008 تريليونات في موازنة 2026. أما الرسوم العقارية والضرائب غير المتكررة على الأملاك فتبلغ نحو 26.607 تريليونات ليرة.
لكن هنا أيضًا يجب التمييز بين «ضريبة على الملكية» و«ضريبة على الثروة».
الرسوم العقارية والانتقالية لا تؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها التي تؤديها ضريبة دورية على صافي الثروة أو على الدخول الرأسمالية الكبيرة. وقد كانت هذه إحدى النقاط التي أثارها صندوق النقد في دراسات سابقة عندما دعا لبنان إلى تحديث بنية النظام الضريبي بدل الاعتماد على أدوات متفرقة وأحيانًا غير مترابطة.
وهنا تبرز نقطة مسكوت عنها في النقاش اللبناني: الموازنة تملك مساحة أكبر للوصول إلى الثروة من خلال تصميم ضريبي واضح، لكنها لا تجعل هذا الاتجاه محورًا رئيسيًا في تمويل الدولة.
الشركات القابضة والأوف شور: ضريبة رمزيّة أصبحت قضية سياسية
الخطوة الأكثر إثارة للاهتمام في مشروع 2027 هي اقتراح مضاعفة الضريبة أربع مرات على الشركات القابضة والأوف شور. وقد اعتُبرت هذه من أبرز التعديلات التي يمكن أن تثير نقاشًا في القطاع الخاص.
من حيث المبدأ، يمكن قراءة الإجراء باعتباره محاولة لتقليص مساحة المعاملة الضريبيّة المميزة التي حصلت عليها بعض الكيانات. لكن يجب عدم المبالغة في حجمه المالي.
حتى لو تضاعفت الضريبة أربع مرات، لا تظهر الأرقام الإجمالية للموازنة أن هذا البند يمكن أن يعيد تشكيل صورة الإيرادات وحده. ولذلك فإنّ قيمة الخطوة قد تكون سياسية وتنظيمية أكثر منها مالية: الدولة تقول إنها تريد توسيع القاعدة الضريبية لتشمل كيانات اعتادت نظامًا خاصًا.
لكن نجاحها يتوقف على سؤال أساسي: هل ستؤدي الزيادة إلى تحصيل فعلي أكبر، أم إلى تغيير في بنية الشركات واستخدام أدوات قانونية أخرى للالتفاف عليها؟
وهذا تحديدًا ما يستدعي أن ترافق التعديلات رقابة ضريبية حقيقية وتبادلًا للمعلومات وشفافية في الملكية المستفيدة، بدل الاكتفاء برفع المعدلات.
المواطن يدفع عند كل محطة
لا تتوقف القصة عند ضريبة القيمة المضافة.
المشروع يتوقع66.944 تريليون ليرة من الرسوم على التجارة والمبادلات الدولية، بينها 45.193 تريليونًا من رسوم الاستيراد، إضافة إلى رسوم أخرى على التجارة تبلغ 21.752 تريليونًا.
وهذا يعني أن المستورد والسلعة المستوردة يشكلان قناة رئيسية لتمويل الدولة.
لكن في اقتصاد يعتمد بشدة على الاستيراد، لا يمكن النظر إلى الرسم الجمركي كأنّه عبء يقع على الحدود فقط. جزء منه ينتقل إلى تكلفة السلعة، ثم إلى المستهلك، ثم إلى الأجور والأسعار وربحية المؤسسات.
وتزداد هذه الحلقة حساسية مع صدمات الطاقة والنقل والشحن.
وقدّر البنك الدولي أنّ التضخم في لبنان سيرتفع إلى17.5 في المئة خلال 2026، مدفوعًا، من بين عوامل أخرى، باضطرابات الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن والنفط. كما حذر من إمكانيّة تعرض سعر الصرف لضغوط إذا تراجعت التدفقات الخارجية.
بالتالي، كل زيادة في الرسوم أو الضرائب على السلع المستوردة تأتي فوق تكلفة خارجية مرتفعة أصلًا.
أين القطاع النقدي؟
ثمة مشكلة أخرى أقل ظهورًا في الموازنة: الاقتصاد النقدي.
صندوق النقد رحّب خلال 2026 بجهود تقليص الاقتصاد القائم على النقد، لكنه ربط التقدم الحقيقي بعودة الثقة إلى النظام المصرفي بعد إعادة هيكلته. وأكد أن الإصلاح الضريبي يجب أن يترافق مع إطار مالي متوسط الأجل.
هذه النقطة مهمّة لأنّ الدولة لا تستطيع بناء نظام ضريبي فعّال إذا كان جزء معتبر من النشاط الاقتصادي يجري خارج القنوات المصرفية والرسمية.
وعليه، فإنّ زيادة الضرائب على المكلفين الموجودين أصلًا داخل النظام قد تصل إلى سقف معين، بينما يبقى جزء من القاعدة الاقتصادية بعيدًا عن الجباية.
وهنا يظهر الفرق بين رفع الضريبة وتحسين الدولة الضريبية.
الأول يرفع النسبة أو الرسم.
الثاني يوسّع القاعدة، ويقلّص التهرب، ويجعل من يعمل ويكسب ويمتلك داخل النظام الاقتصادي خاضعًا لقواعد متقاربة.
الدولة تحتاج إلى عدالة أكثر من حاجتها إلى ضرائب أكثر
مشروع الموازنة يواجه مشكلة صعبة: الدولة بحاجة إلى الإيرادات، لكنها بحاجة في الوقت نفسه إلى عدم خنق الاقتصاد الذي يُفترض أن ينتج هذه الإيرادات.
والدليل أن البنك الدولي رصد في 2025 فائضًا ماليًا إجماليًا يعادل 3.9 في المئة من الناتج، مدعومًا بتحسن الالتزام الضريبي وتحصيل الجمارك وضريبة القيمة المضافة. لكن المؤسسة الدولية حذرت من أن احتياجات الإغاثة وإعادة الإعمار وزيادة أجور القطاع العام وتباطؤ نمو الإيرادات ستضع المالية العامة تحت ضغط أكبر.
هذا يعني أن نجاح الجباية في 2025 لا يبرر افتراض استمرارها بالآلية نفسها إلى ما لا نهاية.
بل على العكس: عندما تتحسن الجباية من خلال الأسعار والاستهلاك والاستيراد، فإن التوسع الاقتصادي يصبح شرطًا للحفاظ على الإيرادات. وإذا انكمش الاقتصاد، يبدأ النظام الضريبي نفسه في فقدان قاعدته.
ماذا يجب أن يتغير؟
الإصلاح الأول ينبغي أن يكون تغيير مزيج الضرائب، لا مجرد زيادة حجمها. وهذا يعني تخفيف الاعتماد النسبي على الاستهلاك تدريجيًا، مقابل توسيع الضرائب المباشرة على الدخول الفعلية والأرباح والأنشطة ذات القدرة الأعلى على تحمل العبء.
الإصلاح الثاني هو اعتماد نظام حديث لتبادل المعلومات بين إدارة الضرائب والجمارك والسجل العقاري والجهات المالية، لأنّ التهرب الضريبي لا يُعالج برفع الضريبة على المكلف الملتزم.
الإصلاح الثالث هو تحديث قانون ضريبة الدخل. وهذه ليست توصية افتراضية: صندوق النقد دعا صراحة إلى إقرار قانون أكثر حداثة وفعاليّة لضريبة الدخل بوصفه خطوة أولى في مسار إصلاح الإيرادات على المدى المتوسط.
الإصلاح الرابع هو إخضاع أي تعديل ضريبي لدراسة أثر مسبقة: كم سيدخل إلى الخزينة؟ كم سيكلف الاقتصاد؟ هل ستتغير سلوكيات الشركات؟ وهل ستنتقل الكلفة إلى المستهلك؟
والإصلاح الخامس هو نشر كشف ضريبي للموازنة يوضح نسبة مساهمة الأجور، الأرباح، الاستهلاك، العقارات، التجارة، ورأس المال في تمويل الدولة. عندها فقط يصبح النقاش العام قائمًا على من يدفع فعليًا، وليس على مجرد الشعارات حول «زيادة الإيرادات».
السؤال الذي يجب أن يُطرح في البرلمان
المعيار الصحيح لمشروع موازنة 2027 ليس ما إذا كانت الدولة قادرة على تحصيل 614.945 تريليون ليرة، بل ما إذا كان الاقتصاد قادرًا على دفعها من دون إضعاف قدرته على النمو.
المشروع يحاول تحقيق انضباط مالي، وهذه نقطة لا ينبغي تجاهلها. لكنه يفعل ذلك في جزء كبير منه من خلال نظام ما زال يعتمد بقوة على الاستهلاك والاستيراد، فيما تبقى مساهمة الضرائب المباشرة على الدخل ورؤوس الأموال والثروة محدودة نسبيًا.
وهنا تصبح موازنة 2027 لحظة اختبار حقيقية للسياسة الضريبية اللبنانية.
فإذا كان الإصلاح يعني أن يدفع الاقتصاد أكثر، فذلك ليس إصلاحًا كاملًا.
أما إذا كان يعني أن يدفع الاقتصاد بصورة أوسع، وأكثر عدالة، وبطريقة لا تدفع المستثمر والمستهلك والموظف الملتزم إلى تحمل الجزء الأكبر من الكلفة، بينما يبقى جزء من الثروة والنشاط خارج المظلة الضريبية، عندها فقط يمكن الحديث عن تغيير حقيقي.
المعضلة اللبنانية ليست أن الدولة لا تجمع ما يكفي.
المعضلة الأعمق هي أنها لا تزال تجمع نسبة كبيرة من إيراداتها من النقاط الأسهل تحصيلًا في الاقتصاد.
وهذا ما ينبغي أن يناقشه البرلمان قبل أن يناقش الرقم النهائي للموازنة: ليس فقط كم ستجمع الدولة في 2027، بل من أين ستأتي هذه الأموال، ومن سيدفعها، وماذا سيفعل ذلك بالاقتصاد الذي يُفترض أن يمول الدولة في 2028 وما بعده.