في لبنان، يمكن لحكومة أن تحصل على ثقة البرلمان خلال جلسة، بينما تحتاج الدولة إلى سنوات كي تستعيد ثقة المواطن.
وهذه هي المفارقة التي تختصر المرحلة المقبلة أكثر من أي رقم في محضر التصويت. فقد نالت حكومة نواف سلام ثقة مجلس النواب في 16 أيلول الجاري بأكثرية 68 نائبًا، مقابل 12 حجبوا الثقة وامتناع نائبين عن التصويت، بعد مناقشات تناولت ملفات سياسية ومالية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى مسألة السيادة وتطبيق البيان الوزاري.
انتهت جلسة الثقة، لكن السؤال الأهم لم يبدأ فيها أصلًا: هل تستطيع الحكومة أن تستثمر الثقة البرلمانية في استعادة الثقة بالدولة؟
فالـ68 صوتًا تمنح الحكومة شرعية سياسية للعمل، لكنها لا تمنحها شيكًا على بياض. وهي بالتأكيد لا تختصر المسافة بينها وبين مواطن اختبر خلال السنوات الماضية معنى أن تنهار مؤسسات الدولة، وأن تصبح الوعود أكبر من قدرة المؤسسات على تنفيذها.
بعد الثقة
الثقة البرلمانية لها حساباتها السياسية والدستوريّة. أما الثقة بالمؤسسات فلها معيار آخر أكثر قسوة: التجربة اليومية.
المواطن لا يقيس الدولة بعدد الأصوات التي حصلت عليها الحكومة، بل بقدرته على تحصيل حقه، والوصول إلى ماله، والحصول على خدمة عامة، والاحتكام إلى قانون واضح، ومعرفة ما إذا كانت القاعدة نفسها تنطبق على الجميع.
لهذا السبب، فإنّ أول اختبار للحكومة ليس في قدرتها على تكرار ما جاء في بيانها الوزاري، بل على تحويل العناوين الكبيرة إلى خطوات يمكن للناس أن يلمسوا أثرها.
المشكلة أن لبنان يدخل هذه المرحلة وهو يحمل مجموعة من الأزمات المترابطة. إصلاح القطاع المصرفي، المالية العامة، الدين، الضرائب، الخدمات، إعادة الإعمار، وتعزيز مؤسسات الدولة ليست ملفات منفصلة يمكن إنجاز كل منها في غرفة مختلفة. بعضها يؤثر في بعض، وأي خلل في واحد منها يمكن أن ينعكس على البقية.
وهنا يصبح ترتيب الأولويات أكثر أهمية من كثرة الوعود.
فالحكومة التي تقول إنها تريد استعادة الثقة تحتاج إلى أنّ تحدد أولًا: ما الذي ستصلحه؟ وما الذي ستؤجله؟ ومن سيدفع كلفة الإصلاح؟ وكيف ستشرح هذه الخيارات للرأي العام؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلًا سياسيًا. إنها جوهر الحكم.
أزمة الثقة
ربما لا يوجد مكان تتجسد فيه مشكلة الثقة اللبنانية أكثر من الاقتصاد.
فإعادة بناء النظام المصرفي لا تتعلق فقط بالمصارف بوصفها مؤسسات مالية، وإنما بإعادة بناء علاقة كاملة بين المواطن والنظام المالي. وقد أكد صندوق النقد الدولي أنّ استراتيجية إعادة هيكلة المصارف يجب أن تكون قابلة للاستمرار ماليًا، وأن تحترم ترتيب تحمّل الخسائر، بحيث لا تُحمّل الودائع الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة. كما اعتبر الصندوق أنّ إعادة هيكلة القطاع واستعادة الثقة به ضروريان للحد من الاقتصاد النقدي وإعادة إطلاق نظام مصرفي قابل للحياة.
وفي 14 أيلول، أصدر مصرف لبنان تعاميم جديدة تتعلق بالإجراءات الاستثنائية لإعادة دفع الودائع بالعملات الأجنبيّة تدريجيًا، وبإجراءات تهدف إلى إحياء أعمال المصارف العاملة في لبنان.
لكن استعادة الأموال، حتى عندما تبدأ بصورة تدريجيّة، ليست هي نفسها استعادة الثقة، الّتي لا تُستعاد بتعميم، ولا بقانون فقط، ولا بخطاب سياسي مهما كان مقنعًا. إنها تُبنى عندما يصبح المواطن قادرًا على فهم القواعد التي تحكم أمواله، وعندما يعرف حقوقه، وعندما يشعر أنّ المؤسسات تعمل ضمن إطار واضح يمكن التنبؤ به.
وهذا ينطبق على الاقتصاد كله.
فالمستثمر لا يبحث فقط عن فرصة، بل عن قانون مستقر. والمواطن لا يحتاج فقط إلى تخفيض ضريبة، بل إلى معرفة لماذا يدفعها وأين تذهب. والدولة لا تحتاج فقط إلى إيرادات، بل إلى قدرة مؤسساتيّة تجعل الإنفاق العام مفهومًا وقابلًا للمراقبة.
لهذا تبدو الثقة، في الحالة اللبنانيّة، أقرب إلى بنية تحتية اقتصادية غير مرئية. عندما تنهار، تتسع السوق النقدية، ويتراجع الاستثمار، وتزداد الرغبة في الهجرة أو ادخار المال خارج النظام المصرفي، ويصبح الاقتصاد أكثر هشاشة أمام أيّ صدمة جديدة.
وقد حذر البنك الدولي في آب الفائت من أن تجدد الصراع أعاد الاقتصاد اللبناني إلى الوراء، ويتوقع انكماشه بنسبة 6.4 في المئة خلال عام 2026، مؤكدًا أن التقدم في الإصلاحات ضروري لاستعادة الثقة وإحياء النمو وتوفير التمويل اللازم للتعافي وإعادة الإعمار.
هنا تحديدًا تظهر حقيقة لا تستطيع الحكومة تجاهلها: لا يمكن بناء اقتصاد جديد بأدوات أزمة قديمة.
الامتحان الحقيقي
الأصعب أن الحكومة لا تبدأ من أرض مالية واقتصادية مستقرة. فإعادة الإعمار وحدها تتطلب موارد ضخمة؛ ويقدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في لبنان بنحو 11 مليار دولار، مع حاجة إلى تمويل عام وخاص.
وهذا يعني أن الدولة ستحتاج إلى أكثر من الأموال. ستحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارتها، وقواعد شفافة للإنفاق، ورقابة فعّالة، وقضاء قادر على حسم النزاعات، وإدارة عامة تستطيع تنفيذ المشاريع في مواعيدها.
بمعنى آخر، ستحتاج إلى شيء أصعب من التمويل: المصداقية.
ومن هنا يمكن قياس نجاح الحكومة بطريقة مختلفة. ليس بالسؤال عن عدد القوانين التي أقرتها فقط، ولا بعدد المؤتمرات والبيانات والاجتماعات، بل بما إذا كان المواطن قد بدأ يشعر بأنّ دولته أصبحت أكثر وضوحًا وانتظامًا وقابلية للمساءلة.
هل يعرف المواطن ما الذي سيحدث لوديعته؟
هل يعرف المستثمر قواعد السوق؟
هل تعرف المؤسسات العامة حدود مسؤولياتها؟
هل تستطيع الدولة أن تجمع الضرائب من دون أن تفقد شرعيتها الاجتماعية؟
هل يصبح القانون قاعدة عامة بدل أن يبقى استثناءً تتغير حدوده بحسب الظروف؟
هذه هي الأسئلة التي ستلاحق الحكومة بعد جلسة الثقة، لأنها أسئلة لا يجيب عنها التصويت.
قد تكون قد حصلت على ثقة 68 نائبًا، لكن الثقة التي تحتاج إليها فعلًا أكبر من هذا الرقم بكثير. إنها الثقة التي تسمح للمواطن بأن يضع أمواله في مصرف، وأن يدفع ضريبته وهو يعرف أين تذهب، وأن يراجع مؤسسة عامة وهو مطمئن إلى أن القانون يحميه، وأن يستثمر دون أن يشعر بأن قواعد اللعبة يمكن أن تتغير بين يوم وآخر.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين من منحها الثقة ومن حجبها. إنها معركة أعمق بكثير: هل تستطيع أن تستخدم الثقة السياسية لإعادة بناء الثقة بالدولة؟
فالبرلمان يستطيع أن يمنحها الثقة في يوم واحد.
أما الدولة فلا تستطيع أن تستعيد ثقة المواطن إلا عبر آلاف التفاصيل الصغيرة: قانون يُطبّق، حق يُصان، وديعة تُعاد، خدمة تُنجز، ضريبة تُجمع بعدالة، ومؤسسة تخضع للمساءلة.
قد تكون الحكومة قد ربحت معركة التصويت، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ الآن: هل تستطيع أن تجعل المواطن يصدق، مرة أخرى، أن دولته تعمل؟
فلبنان لا يحتاج حكومة تثق بها الأكثرية فقط، بل دولة يستطيع المواطن أن يثق بها.