تتفاعل مسألة الذكاء الاصطناعي في العالم اجمع بشكل سريع، خصوصاً بعد القرارات التي اتخذها الرئيس الاميركي دونالد ترامب للابطاء من سرعة هذا المسار، فيما برز موقف صيني مغاير تماماً. هذا التناقض في المواقف اضاءت عليه الصحافية ريبيكا بيلي في موقع "الغارديان" البريطاني، من خلال مقال نشرته، وتولت صحيفة" النشرة" الالكترونية ترجمة ابرز ما جاء فيه:
ترى بكين أن الهدف من الدعوات إلى إبطاء وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي، هو تثبيت التفوق الأميركي، ولذلك تنتهج مقاربة مختلفة لتحقيق التوازن بين السلامة وسرعة التطور. قبل نحو عامين، أدرك رجل الأعمال "بوريس بوت" أن شركته، مثل شركات صينية كثيرة، تحتاج إلى تبنّي الذكاء الاصطناعي الذي يهدد بإقصائها. فقد بدأ زبائنه، وهم من الاباء الميسورين، بارسال أبنائهم للدراسة في الخارج، ويصلون إلى مكتبه وهم يستندون إلى معلومات وآراء حصلوا عليها من "روبوتات المحادثة" وليس من الشركات المنافسة. فبدأ تطوير أداة دراسة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، معتمداً مبدأ: "إذا لم تتمكن من التغلب عليهم، فانضم إليهم".
لا شك ان الولايات المتحدة تتربع على عرش الذكاء الاصطناعي من حيث سرعته وجودة تطويره، ولكن لا يمكن اغفال حقيقة ان الصين تأتي في المرتبة الثانية، فيما تخوض القوتان منافسة متصاعدة مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بكل نموذج جديد وقدراته. ويتفق المحللون عموماً على أن النماذج الأميركية الرائدة لا تزال متقدمة على نظيراتها الصينية. لكن خلال الأسابيع الأخيرة، ازدادت التحذيرات في منطقة "سيليكون فالي" الاميركية من الكوارث المحتملة الناجمة عن "فقدان السيطرة" على أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً. والسبت الماضي، دعا الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي، إلى "تنظيم وتيرة التطور العالمي للذكاء الاصطناعي الرائد"، قائلاً إن ذلك "يتطلب تعاوناً مع الصين".
إلا أن الصيني ليانغ جي سو من مجموعة "أومديا" للأبحاث التكنولوجية، جزم ان بلاده " ليست متقبلة" لإبطاء التطور وفق الشروط الأميركية. فالحكومة الصينية تعتبر الذكاء الاصطناعي "قدرة أساسية للسيادة"، ولن ترغب في تعريض التقدم الذي أحرزته في تقليص الفجوة مع النماذج الأميركية، للخطر. واضاف ان بكين ترى في الدعوات إلى الإبطاء محاولة :لتثبيت التفوق الأميركي".
وكان أمودي قد أشار إلى الصين تحديداً، داعياً إلى إبقاء تفوق الذكاء الاصطناعي لدى الديمقراطيات على الأنظمة الاستبدادية "بأكبر قدر ممكن". كما دعا إلى استمرار القيود على تصدير الرقائق المتقدمة والمعدات إلى الصين. وردت وزارة الخارجية الصينية بأن "إثارة المخاوف والمواجهة والمنافسة الشرسة لن تؤدي إلا إلى تعطيل عملية الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي". لكن محللين قالوا لـ"الغارديان" إن هذا الرد لا يعني بالضرورة رفض المخاوف الأوسع المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي. فهذا الأسبوع، أصدرت الصين النسخة الثالثة من إطار حوكمة سلامة الذكاء الاصطناعي، الذي يشكل، وفق الباحث غابرييل فاغنر من "كونكورديا"، خريطة لمخاطر الذكاء الاصطناعي وما ينبغي فعله حيالها. وتشمل التحديثات مخاطر الوكلاء الذكية، والتهديدات السيبرانية التي تطرحها النماذج الرائدة، وإمكان التحسين الذاتي التكراري، أي أن يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحسين نفسه بنفسه. ولفت الى ان هناك الكثير من نقاط الالتقاء، اكثر مما قد يفترضه البعض، بين ما يقوله أمودي وما تقوله الحكومة الصينية.
ويختلف ذلك عن موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصف المخاوف من أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من القضاء على البشرية بأنها "خدعة". ومن المقرر أن يلتقي ترامب الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن، مع توقع إدراج الذكاء الاصطناعي على جدول الأعمال، رغم تشكيك محللين في تحقيق اختراق كبير.
وتحرك الحزب الشيوعي الصيني الحاكم بصورة استباقية لضمان تطور التكنولوجيا ضمن الحدود التي تحددها الدولة. وقال سو إن السلطة المركزية على البنية التحتية الحيوية والنشاط التجاري يجعلان الصين عموماً في موقع أفضل من الولايات المتحدة "للتعامل مع أي كارثة ناجمة عن الذكاء الاصطناعي".
لكن ليّا وانغ من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي قالت إن الشركات الصينية تنفذ أعمالاً طوعية أقل من الشركات الأميركية في مجالَي المراقبة والتقييم، وإن أياً من الحكومتين لا يبدو مستعداً لحادثة فقدان السيطرة التي يجري التحذير منها. وأضافت أن التنظيم الصيني "تكراري"، إذ إن السلطات "تتكيف بسرعة وتصدر إجراءات جديدة".
ولدى الصين منذ عام 2022 سجل للخوارزميات، فيما تشير التحذيرات الجديدة بشأن الوكلاء الذكية إلى تحول في التركيز "من السيطرة على ما يقوله الذكاء الاصطناعي، إلى السيطرة على ما يفعله". كما أصدرت بكين هذا العام لوائح تهدف إلى الحد من الاعتماد العاطفي على أنظمة الذكاء الاصطناعي المخصصة للمرافقة. وفي الوقت نفسه، يجري تشجيع الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد لتعزيز النمو، وهو هدف أُدرج في أحدث خطة خمسية. وتقدم الحكومات المحلية التمويل والإيجارات المنخفضة للشركات، فيما يجري تشجيع المصانع على تكييف عملياتها مع عصر الذكاء الاصطناعي. وقال ممثل لشركة "بلاك ليك تكنولوجيز" إن السلامة وقابلية التحكم، "من أبرز المخاوف" في قطاع التصنيع، لكن الاهتمام الأساسي للشركات ينصب على "ما إذا كان الذكاء الاصطناعي موثوقاً".
وفي الحياة اليومية، أصبحت الصين شديدة الاعتماد على التقنيات الرقمية، وساعد انخفاض النقاش التقليدي حول خصوصية البيانات، في انتشار الاستخدام. ووصلت خدمة الصحة الرقمية "آ-فو"، التي تقدم نسخاً من أطباء بارزين تعمل بالذكاء الاصطناعي ومدرّبة على دراسات سريرية حقيقية، إلى 150 مليون مستخدم.
وقال ني تاو، مؤسس موقع التكنولوجيا "يانغتسه آي آر"، إن معظم الناس يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي باعتباره "أداة مفيدة بالفعل في الحياة اليومية، وليس تهديداً مجرداً"، ولذلك فإن الموقف العملي هو التعايش معه. وأضاف أن القلق بشأن الوظائف والمعلومات المضللة موجود، لكنه يتعايش مع اعتقاد قوي بأن الصين "يجب أن تتقن الذكاء الاصطناعي بدلاً من إبطاء وتيرته".























































