لا يحتاج الخلاف بين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وحزب الله إلى دليل، لكن كلام باسيل الأخير خلال مقابلة تلفزيونية يطرح سؤالًا مختلفًا عن مجرد مصير تفاهم مار مخايل. إذ يبدو أن رئيس التيار لم يعد يناقش العلاقة القديمة مع الحزب بقدر ما يحاول رسم الشروط السياسية لعلاقة جديدة معه، تقوم أولًا على اقتناع بأن الصيغة التي حكمت السنوات الماضية انتهت، وأن الحزب نفسه يحتاج إلى إعادة النظر في موقعه ودوره وسلاحه بعد الحرب الأخيرة.
باسيل، بحسب مصادر متابعة، ذهب هذه المرة بعيدًا، فحمّل حزب الله مسؤولية إدخال لبنان في الحرب، وقال إنه "ما عم يعرف يطلع منها"، ودعاه إلى المساهمة في وضع استراتيجية دفاعية وإيجاد بدائل عن الحرب. بعدما كان قد أعلن من مجلس النواب أن سلاح الحزب لم يعد قادرًا على حماية لبنان. وهذه ليست مواقف تصدر عن حليف غاضب أو "حردان"، بل مراجعة سياسية لأحد الأسس التي قام عليها تفاهم التيار مع الحزب منذ عام 2006، أي الاعتراف بوظيفة السلاح في حماية لبنان وردع إسرائيل.
وتشير المصادر إلى أنه في المقابل لا يجب قراءة موقف باسيل على أنه انتقال نهائي إلى الضفة المقابلة لحزب الله. فهو في الوقت الذي يحمّل الحزب مسؤولية الحرب ويطالب بحصرية السلاح، لا يتبنى مقاربة خصوم الحزب التقليديين لكيفية الوصول إليها، بل يتحدث عن تسليم السلاح بتوافق لبناني بدلًا من نزعه، ويطرح استراتيجية للأمن القومي أو استراتيجية دفاعية، ويرفض عمليًا أن تتحول إسرائيل أو الضغوط الخارجية إلى الأداة التي تفرض على لبنان معالجة ملف السلاح.
وتكشف المصادر عبر "النشرة" أن باسيل يريد الخروج من المعادلة القديمة التي وضعته لسنوات في خانة حليف حزب الله، لكنه لا يريد في المقابل الدخول في المعادلة التي يقدمها خصوم الحزب. وبالتالي يحاول بناء مساحة سياسية ثالثة تقول للحزب إن سلاحه بصيغته الحالية لم يعد صالحًا، وللحكومة إن حصرية السلاح لا يمكن أن تتحقق بالاستقواء بإسرائيل، ولخصوم الحزب إن معالجة المشكلة لا تكون بكسر مكوّن لبناني أو دفع البلاد إلى مواجهة داخلية.
إلا أن الانتخابات النيابية المقبلة لا يمكن فصلها عن هذه الحسابات. فباسيل يقدم نفسه اليوم باعتباره رأس المعارضة، ويحتاج للوصول إلى الانتخابات إلى تثبيت استقلالية التيار عن حزب الله بعد سنوات دفع خلالها ثمنًا سياسيًا وشعبيًا لتحالفه معه. لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى عدم التحول إلى نسخة سياسية عن القوات اللبنانية أو الكتائب، لأن المنافسة معهما لا تكون بتبني خطابهما نفسه، بل بمحاولة تقديم خيار مختلف عنهما وعن الحزب في آن واحد.
لذلك فإن القطيعة السياسية مع حزب الله قد تكون مفيدة لباسيل انتخابيًا، لكن إقفال الباب نهائيًا أمامه ليس بالضرورة مفيدًا بالقدر نفسه، خصوصًا أن السياسة اللبنانية تبنى على التحالفات التي ستلي الانتخابات أكثر من الانتخابات نفسها.
لم يعد هناك من شكّ في أن تحالف مار مخايل قد انتهى، ويحاول باسيل أن يقول لحزب الله إن أي تفاهم جديد، إذا حصل يومًا، لن يكون ممكنًا بالشروط القديمة. وبالتالي فإن المشكلة بالنسبة إليه لم تعد في تحسين التفاهم، بل في كيفية الوصول إلى تفاهم جديد.

























































