عاد قانون الانتخاب إلى طاولة البحث النيابي مع استئناف اللجنة الفرعية اجتماعاتها الاثنين، بعد توقف امتدّ نحو عام. لكنّ العودة تجاوزت استكمال نقاش تشريعي معلّق، بعدما ربط نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب احتمال تقصير ولاية المجلس بمعالجة ثغرات القانون الحالي، فيما أعلن النائب جورج عدوان التوجّه إلى تقديم اقتراح لتقريب موعد الانتخابات، مع التمسك بإجرائها وفق القانون النافذ.
المطروح هذه المرّة هو تقصير الولاية بقانون يصوّت عليه المجلس نفسه، لا حلّه وفق الآليات الدستورية الاستثنائية. وهذا يعني أنّ المجلس الذي مدّد لنفسه سنتين في 9 آذار الماضي سيكون مدعوًا إلى تقرير موعد أقرب لانتهاء ولايته، بالتوازي مع تحديد القواعد التي سيُنتخب على أساسها خلفه.
غير أنّ التباين بين الموقفين لا يُختصر بتأييد تعديل القانون أو رفضه. فعدوان دعا أيضًا إلى إبقاء القانون الحالي قابلًا للتنفيذ بأسرع وقت ممكن، ما يفتح النقاش على حدود المعالجة المطلوبة. هل تكفي التحضيرات الإدارية، أم يحتاج الاستحقاق إلى تعديلات محددة؟ وهل يمكن الاتفاق على تعديلات تتيح إجراء الانتخابات، وأيّ ضمانة ألّا يتحوّل البحث في الثغرات إلى خلاف أوسع يعيد تعليق الانتخابات؟
جلسة محاطة بالشكوك
سبق اجتماع اللجنة مناخ من الارتياب، عكسه كلام بو صعب عن هجوم شخصي واتهامات بإخراج "أرانب" انتخابية وتمرير ترتيبات سياسية تحت عنوان تعديل القانون. ووفق روايته، سأله بعض النواب داخل الجلسة عن سبب الدعوة في هذا التوقيت، وما إذا كان تلقّى اتصالًا من الخارج، فأجاب بأنّ الاجتماع يندرج ضمن واجبات المجلس ولجانه.
تعكس هذه الأسئلة انعدام الثقة بين القوى في نقاش يطال فرصها وأحجام تمثيلها، فتُقرأ الدعوة إلى تعديل القانون انطلاقًا من حسابات الربح والخسارة قبل الاطلاع على تفاصيل المقترحات. ويزداد الحذر حين يتسع البحث ليشمل مجلس الشيوخ وشكل التمثيل السياسي، بما يتجاوز معالجة عقبات إجرائية محددة، ويجعل الخلاف على جدول أعمال اللجنة جزءًا من الخلاف على وجهة عملها.
مع ذلك، لا تكفي الشكوك لإدانة استئناف اللجنة عملها، كما لا يكفي وصف أجوائها بالإيجابية لإثبات أنها اقتربت من إنجاز. المعيار هو تحديد ما ستناقشه، والنتيجة التي تسعى إليها، والمهلة التي تضعها لنفسها، حتى يستطيع اللبنانيون التمييز بين خلاف على مضمون التعديل وخلاف يمنع الوصول إلى أي قرار.
سابقة المغتربين
للحديث عن الثغرات تاريخ قريب. ففي خريف العام الماضي، تركز الاشتباك على اقتراع المغتربين: انتخاب ستة نواب مخصصين للقارات، أم المشاركة في انتخاب مجلس النواب بأعضائه الـ128، كلٌّ في دائرة قيده؟ وكان بو صعب قد نقل عن وزيري الداخلية والخارجية ملاحظات تتعلق بتطبيق مواد المقاعد الستة والبطاقة الممغنطة وطريقة الإنفاق. جمعت المشكلة إذًا بين عقبات التنفيذ والخلاف على وزن أصوات المنتشرين وتأثيرها في النتائج.
في جلسة 2 تشرين الأول 2025، نقل بو صعب عن وزير الداخلية أحمد الحجار أنه يعمل وفق القانون الساري، ما يعني أن اقتراع الخارج سيكون للمقاعد الستة، وطلب تعليق الاجتماعات أسبوعين للتفاهم وإعادة التواصل مع المقاطعين. وكانت الجلسة نفسها قد بدأت ببحث اقتراحات تتعلق بمجلس الشيوخ، ما يؤكد أن جمع المسارين الإجرائي والإصلاحي ليس جديدًا. لكنّ التوقف طال، واستعاد بو صعب الاثنين تسلسل تعليق عدوان مشاركته ثم توقف اللجنة.
لاحقًا، تأجلت انتخابات أيار بتمديد أُقرّ في ظل الحرب، فلا يصح تحميل خلاف المغتربين وحده مسؤوليته. لكنّ الوقت المتاح قبل الحرب لم يُنتج حلًا، وبقيت المسألة عالقة بين النقاش النيابي والتحضير الحكومي. لذلك لا تكفي العودة إلى الاجتماعات لإثبات تجاوز التجربة السابقة؛ المطلوب توضيح كيف ستُحسم نقاط الخلاف هذه المرّة، وما الذي سيمنع تعليق العمل مجددًا عند تعذّر التفاهم عليها.
من يرسم حدود التعديل؟
تكتسب عبارة عدوان عن إبقاء القانون "قابلًا للتنفيذ بأسرع وقت ممكن" أهميتها من هذه السابقة. فالتمسك بالقانون الحالي لا يعفي أصحابه من الإجابة عن العقبات التي رافقت محاولة تطبيقه، وفي مقدمها آلية اقتراع المغتربين. وإذا كان تنفيذه يتطلب معالجة تشريعية لهذه العقبات، فهنا تنشأ مساحة مشتركة محتملة مع المطالبين بالتعديل، تبقى حدودها رهن ما سيتضمنه اقتراح "القوات".
من هنا، لا يمكن افتراض الاتفاق على التعديل قبل تحديد المقصود به. هل ينحصر بما يلزم لإجراء الانتخابات المقبلة، أم يشمل إعادة النظر في قواعد التمثيل وفتح ملف مجلس الشيوخ؟ ذكر بو صعب اقتراحات تتصل بتنفيذ الطائف، بينما وضع عدوان البحث في قانون جديد ضمن النقاش المرتبط بالنظام المستقبلي، ما يجعل تحديد نطاق البحث سابقًا لأي حديث عن إمكان التوافق على نتائجه.
وهنا تحديدًا أدخل عدوان شرط إنهاء ملف السلاح. فقد ربط به بحث القانون الجديد، بالتزامن مع مطالبته بانتخابات سريعة وفق القانون النافذ. موقفه يفصل بين استحقاق يمكن التحضير له الآن وإصلاح أوسع يؤجّل مناقشته. والسؤال المقابل هو إمكان رسم حدود واضحة بين المسارين، خصوصًا أنّ بند المغتربين نفسه يجمع صعوبة التطبيق والخلاف على التمثيل.
تقصير الولاية أمام المجلس
أعلن عدوان أنّ اقتراحًا لتقريب موعد الانتخابات سيُقدَّم بأسرع وقت ممكن. وحتى تقديمه، يبقى النقاش في معايير تقييمه: الموعد الذي يقترحه، والمهلة المتاحة للتحضير الإداري، وما إذا كان يعالج بند المغتربين ضمن النص أو يتركه لمسار تشريعي موازٍ، ومدى قدرته على جمع الأكثرية اللازمة لإقراره. فالمطلوب نص يربط تقديم الاستحقاق بشروط تنفيذه، ويبيّن كيف يمكن تجاوز العقبات التي كانت قائمة أمامه.
فالاختبار السياسي يقع داخل المجلس الذي أقرّ التمديد. وفي جلسة 9 آذار، اقترحت "القوات" تمديدًا لستة أشهر ينتهي في 21 تشرين الثاني 2026، مقابل اقتراح "التيار الوطني الحر" بأربعة أشهر قابلة للتجديد. وبات يفصلنا عن نهاية الولاية التي اقترحتها "القوات" أقل من سبعة أسابيع، ما يجعل الموعد الجديد والمهل اللازمة له مقياسًا لواقعية طرحها، ومدى مراعاته الوقت الذي تحتاج إليه الحكومة للتحضير.
تقديم النص يتيح معرفة مؤيدي العودة المبكرة إلى الناخبين، ويكشف طبيعة اعتراض المعارضين: أيتعلق بالتحضير أم بتقديم الموعد نفسه؟ وبالمثل، فإنّ استعداد بو صعب للبحث في تقصير الولاية يحتاج إلى توضيح: هل تكفي معالجة نقاط محددة في القانون، أم ينتظر التقصير اتفاقًا أشمل؟ كلما اتسعت الشروط السابقة للانتخابات، ازدادت الملفات التي يستطيع الخلاف على أحدها تعطيل البقية، وضعفت قدرة أي موعد مقترح على الصمود أمام السجالات.
أين الحكومة من التحضير؟
وجّه عدوان دعوته أيضًا إلى وزارة الداخلية لبدء التحضيرات، وإلى المجلس لمؤازرة الحكومة. وهذا جانب أساسي من النقاش، لأنّ إمكان إجراء الانتخابات لا يتحدد بالمواقف النيابية وحدها. المطلوب أن تعرض الوزارة المهل والاحتياجات الإدارية والمالية والأمنية، وأن تحدد ما تستطيع إنجازه وفق النصوص النافذة وما يحتاج إلى تدخل تشريعي.
تكتسب هذه المهمة أهمية إضافية في اقتراع الخارج، الذي يتطلب التنسيق مع وزارة الخارجية، وفي المناطق التي تضررت من الحرب ويؤثر النزوح في قدرة سكانها على المشاركة. ومن شأن عرض هذه الاحتياجات أن يوضح ما يمكن التحضير له فورًا وما ينتظر قرارًا سياسيًا أو تشريعيًا. بذلك تصبح مناقشة الموعد مستندة إلى معطيات، ويصبح ممكنًا مساءلة الحكومة عمّا تؤخره، ومساءلة المجلس عمّا يتركه عالقًا لديها.
الخطوة التالية إذًا هي تحديد متطلبات الاستحقاق، وتوزيع مسؤوليات إنجازها بين الحكومة والمجلس ضمن مهل معلنة، بحيث تبدأ التحضيرات التي لا تتوقف على تعديل القانون فيما يُستكمل النقاش في بقية الملفات. فإذا تعذّر الاتفاق على الإصلاح الأوسع، يبقى على القوى أن تقول بوضوح أيّ معالجة تكفي لإعادة اللبنانيين إلى صناديق الاقتراع، ومن يتحمّل مسؤولية تحويل الخلاف عليها مرة أخرى إلى سبب للانتظار.




















































