لم تعد السيطرة على العالم تُقاس فقط بحجم الجيوش أو قوة الاقتصاد. في القرن الحادي والعشرين، باتت هناك قوة أخرى تتشكل بعيدًا عن الحدود التقليدية: القدرة على التحكم بالتكنولوجيا، والبيانات، والأنظمة التي ستدير الاقتصاد والحياة اليومية في المستقبل.

من هنا، لم يعد التنافس بين ​الولايات المتحدة​ و​الصين​ مجرد سباق على ​الرقائق الإلكترونية​ أو ​الذكاء الاصطناعي​. إنه صراع على من يضع قواعد العالم الرقمي، ومن يمتلك مفاتيح الوصول إليه. لكن السؤال الأهم بالنسبة إلينا هو: أين يقف ​الشرق الأوسط​ في هذه المعركة؟ وهل يستطيع تحويل المنافسة بين القوتين إلى فرصة لبناء قدراته، أم سيجد نفسه معتمدًا على منظومات لا يملك قرارها؟

من يملك التكنولوجيا يملك ورقة ضغط

تكشف معركة الرقائق الإلكترونية أن التكنولوجيا لم تعد سلعة تجارية عادية. فالقيود الأميركية على تصدير بعض الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين تهدف إلى الحد من وصول بكين إلى تقنيات استراتيجية، لكنها تدفعها أيضًا إلى تسريع تطوير بدائل محلية وتقليل اعتمادها على الخارج.

وفي المقابل، تتجه الصين بدورها إلى تشديد الرقابة على تصدير تقنيات متقدمة، في مؤشر إلى أن الفريقين باتا ينظران إلى التكنولوجيا باعتبارها جزءًا من الأمن القومي وأداة للتأثير في المنافسين.

هذه السياسات لا تعني أن أيًا من الفريقين قادر على التحكم الكامل بالسوق العالمية، لكنها تكشف حقيقة أساسية: من يعتمد على تقنية لا يستطيع استبدالها بسهولة قد يجد نفسه أمام خيارات محدودة عندما تتحول المصالح الاقتصادية إلى خلاف سياسي.

وهنا يتجاوز الصراع حدود الشركات؛ إذ تصبح القرارات المتعلقة بالرقائق و​الحوسبة السحابية​ والذكاء الاصطناعي قادرة على التأثير في خيارات الدول الأخرى، حتى لو لم تكن فريقًا مباشرًا في المنافسة.

الشرق الأوسط يدخل المعادلة الرقمية

لم يعد الشرق الأوسط مجرد سوق لشراء التكنولوجيا. فدول الخليج، خصوصًا ​السعودية​ و​الإمارات​، تستثمر في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لتشغيلهما، في محاولة لتنويع اقتصاداتها وتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي.

ويظهر هذا التوجه في إطار التعاون الأميركي–الإماراتي في ​التكنولوجيا المتقدمة​ الذي أُعلن عام 2025، وفي خطط السعودية لتوسيع قدراتها في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة. هذه المشاريع تعكس طموحًا إقليميًا حقيقيًا للانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاج الخدمات الرقمية وتطويرها.

لكن حجم الاستثمار وحده لا يكفي لقياس الاستقلال. فبناء مركز بيانات متطور لا يعني بالضرورة امتلاك التقنيات التي تشغله، أو القدرة على تصنيع رقائقه، أو التحكم بكل البرامج والخدمات التي يعتمد عليها. وقد تمتلك الدولة البنية التحتية، فيما تبقى أجزاء أساسية من منظومتها التقنية مرتبطة بمورّدين وخبرات وقواعد تصدير خارجية.

وهنا تكمن المفارقة: قد تتحول المنطقة إلى مركز مهم للحوسبة والذكاء الاصطناعي، من دون أن تمتلك بالضرورة استقلالًا رقميًا كاملًا.

بين واشنطن وبكين: مساحة للمناورة أم تبعية جديدة؟

لا تتعامل دول الشرق الأوسط جميعها مع المنافسة بالطريقة نفسها. فبعضها يوسّع شراكاته مع الولايات المتحدة للحصول على تقنيات متقدمة، بينما يسعى بعضها الآخر إلى الاستفادة من العروض الصينية في البنية التحتية والاتصالات والخدمات الرقمية. وتحاول دول مثل ​مصر​ الحفاظ على علاقات مع الفريقين، بما يتيح لها توسيع خياراتها الاستثمارية والتكنولوجية.

لكن الموازنة بين القوتين ليست عملية سهلة. فالتكنولوجيا ليست مجموعة منتجات يمكن استبدال بعضها ببعض ببساطة؛ إنها منظومة متكاملة من الرقائق والبرمجيات والبيانات والمعايير الأمنية والخدمات السحابية. وقد يؤدي اختيار أحد المسارات إلى شروط أو قيود تؤثر في القدرة على التعامل مع المسار الآخر.

لذلك، لا يكمن التحدي في تحديد أي الفريقين أكثر جاذبية، بل في معرفة ما الذي ستحصل عليه الدولة فعليًا من كل شراكة: هل ستكتسب خبرات محلية؟ هل ستنقل المعرفة إلى مؤسساتها وجامعاتها؟ هل ستحتفظ بالسيطرة على بياناتها؟ وهل تستطيع تغيير المورّد إذا تغيرت الظروف السياسية؟

هذه الأسئلة أهم من الوعود الاستثمارية، لأنها تحدد ما إذا كانت الشراكة ستبني قدرة محلية مستدامة أم ستكرّس اعتمادًا طويل الأمد على الخارج.

شرق أوسط بسرعات رقمية مختلفة

ومع ذلك، لا يصح الحديث عن المنطقة وكأنها كتلة واحدة. فالدول التي تمتلك رؤوس الأموال والطاقة والبنية التحتية ليست في الموقع نفسه الذي تشغله دول تعاني أزمات اقتصادية أو نزاعات أو ضعفًا في الخدمات الأساسية.

وقد يؤدي هذا التفاوت إلى اتساع الفجوة الرقمية داخل المنطقة نفسها: دول تستقطب الاستثمارات وتبني مراكز متقدمة للحوسبة، وأخرى تكتفي باستخدام خدمات مستوردة، فيما تواجه دول أكثر هشاشة صعوبة في تأمين البنية الأساسية اللازمة للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.

وهذا يعني أن المنافسة الأميركية–الصينية قد لا تعيد ترتيب العلاقة بين الشرق والغرب فقط، بل قد تؤثر أيضًا في موازين القوة داخل الشرق الأوسط، بين الدول القادرة على إنتاج التكنولوجيا وتلك التي تبقى مستهلكة لها.

المعركة الحقيقية هي على حرية القرار

لا يحتاج الشرق الأوسط إلى الانحياز الكامل إلى واشنطن أو بكين كي يثبت استقلاله، كما أن الوقوف على مسافة واحدة من الفريقين لا يكفي وحده لتحقيق ذلك. الاستقلال الرقمي يحتاج إلى خيارات فعلية: تنويع الشراكات، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وبناء الكفاءات المحلية، وحماية البيانات، وتطوير قواعد واضحة للمساءلة و​الأمن السيبراني​.

وقد لا يكون من الواقعي أن تسعى كل دولة إلى تصنيع جميع مكونات التكنولوجيا بنفسها. لكن من الواقعي أن تسعى إلى تقليل اعتمادها على مصدر واحد، وفهم شروط استخدام التقنيات التي تستوردها، وبناء قدرة تفاوضية تحمي مصالحها على المدى الطويل.

في النهاية، قد لا يُقسَّم العالم الرقمي باتفاق معلن بين الصين وأميركا، لكن التنافس بينهما يمكن أن يرسم حدودًا غير مرئية حول ما تستطيع الدول الوصول إليه، والأنظمة التي يمكنها الاعتماد عليها، والخيارات المتاحة أمامها.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن الفرصة لا تكمن في أن يصبح ساحة يتنافس عليها الآخرون، بل في أن يحوّل موقعه الجغرافي وموارده المالية والطاقة التي يمتلكها إلى قدرة حقيقية على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا.

ففي عالم المستقبل، لن يكون السؤال فقط من يملك التكنولوجيا الأقوى، بل من يملك حرية استخدامها وتطويرها وتغيير مسارها عندما تتبدل موازين القوى.