يجب الاعتراف بقدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التخلص من المآزق الحرجة التي يجد نفسه فيها، بغض النظر عن الطريقة والأسلوب، حتى ولو اعتمد القتل والتدمير والإجرام للوصول إلى غايته. تخطى نتنياهو المأزق تلو الآخر، واستطاع الصمود لأكثر من ثلاث سنوات، إلى أن وصل إلى الانتخابات التشريعية التي لم يكن يريدها، ولكنه خرج منها على عكس ما توقع خصومه في الداخل والخارج. فكتلته حصدت أعلى نسبة مقاعد في الكنيست، وعلى الرغم من كونها ليست كافية لضمان تشكيل الحكومة، إلا أنها كفيلة بضمان عدم تجاوزه.
اليوم، يقف نتنياهو أمام نتائج انتخابية لا ترضيه، ولكنها أبقتْه واقفًا على قدميه. وهو أمام خيارات أحلاها مرّ: إما العودة إلى التحالف مع الأحزاب اليمينية المتطرفة التي يرتاح إلى أفكارها، لكنها تفرض عليه ما تريد وتحرجه أمام الحلفاء؛ وإما محاولة مد اليد لعدوه اللدود غادي آيزنكوت، مع ما يعنيه ذلك من صعوبة في تقبّل الأمر ومواجهة شروط قاسية. والأكثر ترجيحًا هو الخيار الثاني، خصوصًا أنه تم تسريب كلام بعد ساعات قليلة على نتائج الانتخابات، يفيد بانفتاح نتنياهو على مثل هذا التفاهم.
يبدو أن الخيار الأنسب سيكون الاتفاق على المداورة في الحكم، وهو أمر بالغ الصعوبة ولكنه ليس مستحيلًا، ويضمن حصول الفريقين على ما يريدان، مع تقديم كل منهما تنازلات كبيرة في هذا الخصوص. في هذه الطريقة، يتخلص رئيس الوزراء الحالي من البقاء تحت رحمة شروط "اليمين المتطرف" والتهديد الدائم بفرط عقد الحكومة، ويحظى بالدعم المثالي لإكمال مخططاته الحربية والجهنمية مع "الجيران" ومع إيران على حد سواء، وتعزيز مكانته في الداخل على أنه الخيار الأوحد لخلاص إسرائيل.
في المقابل، لن يكون آيزنكوت خاسرًا بدوره، فهو سيحظى ببعض الشروط التي كان طالبًا بها. والأهم أنه سيكون رئيس الوزراء المقبل، وسيقدم نفسه على أنه الرجل الذي قدّم تنازلات لإعادة توحيد إسرائيل، وسينطلق من هذه الميزة لبناء سلسلة تفاهمات خارجية ونسج خيوط التواصل داخليًا، من دون الحاجة إلى اعتماد خيار لا يحبه ولا يريده، وهو الاعتماد على الأحزاب العربية التي ستجد نفسها في هذه الحالة خارج أي معادلة. وعلى الرغم من المقاعد الـ19 التي نالتها، لكنها ستكون مقيدة وغير قادرة على التحرك لتأمين أهدافها.
هذا السيناريو، في حال حصوله، سيكون الأنسب بالنسبة إلى الرجلين، ولكن تداعياته ستبقى كارثية على الدول المجاورة وعلى المنطقة بشكل عام. لأنه سيعني الاستمرار في خيار القوة والتدمير، إنما بدفع أكبر وبمعارضة داخلية وخارجية أقل. صحيح أنه لن يكون من السهل تجاوز الخلافات بين الرجلين، وسيكون على كل منهما تفسير كيفية حصول التفاهم مع الآخر، فيما حملتاهما الانتخابية قامت على "كسر الآخر". ولا شك أن مصطلحات على غرار المصلحة العامة وبقاء إسرائيل وتهديد وجودها ستضمن تفهّم الشارع الإسرائيلي لمثل هذا التحالف الاضطراري.
أمام الخيارات المرّة الموجودة أمام نتنياهو، من الواضح أن هذا الخيار يبقى الأنسب بالنسبة إليه، وحتى بالنسبة إلى آيزنكوت الذي لا يقلّ عنه تعصبًا لناحية الأفكار والأهداف ولو اختلف الأسلوب. ويكمن الشيطان في تفاصيل الاتفاق الذي يجب التوصل إليه، وموقف الأطراف الأخرى التي ستجد نفسها بعيدًا عن "تقاسم الجبنة" وعن حلم التواجد بقوة على الساحة... اليوم، ينتظر الجميع النتائج النهائية الرسمية للانتخابات ليبنوا على الشيء مقتضاه، ولكن "الخياطين" بدأوا بالفعل الإعداد للخطة الحكومية مع العمل على استبعاد اللجوء إلى انتخابات جديدة.























































