على وقع حالة الغموض التي تسيطر على الأوضاع الإقليمية، بانتظار وضوح الصورة التي ستكون عليها المنطقة بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن الأمور على الساحة اللبنانية مرشحة لمزيد من التصعيد، بالرغم من المؤشرات التي توحي بإمكانية السيطرة على الوضع من خلال الاتصالات القائمة بين أكثر من جهة سياسية.
في ظل هذه الأجواء، لا يمكن تجاهل مبادرة أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم إلى التصعيد، من خلال تجديده موقف الحزب من مسألتي السلاح والاتفاق الإطاري. وهي مبادرة تزامنت مع تصعيد آخر ذهب إليه حزب "القوات اللبنانية"، عبر الإعلان عن عدم مشاركة ممثليه في جلسة مجلس الوزراء، بسبب عدم إحالة ملف "شاحنة ضهر البيدر" إلى المجلس العدلي من قبل الحكومة.
في هذا السياق، تشير مصادر سياسية، عبر "النشرة"، إلى أن ما تقدّم لا ينبغي أن يحجب الأنظار عن التسريبات المتكررة حول عدم رضا أميركي عن أداء السلطة اللبنانية، بسبب طريقة تعاملها مع العديد من الملفات، خصوصًا على مستوى سلاح "حزب الله" والإصلاحات المالية والاقتصادية. وقد وصلت هذه التسريبات إلى حد التلويح بأن واشنطن بصدد الإعلان عن دفعة جديدة من العقوبات تطال شخصيات لبنانية.
بالنسبة إلى هذه المصادر، فإن ما تقدّم يقود إلى اعتبار أن ما حصل في ملف "شاحنة ضهر البيدر" لم يكن إلا تأجيلًا للخلاف الداخلي، الذي كان متوقعًا أن يقع في حال إحالة الملف إلى المجلس العدلي. في حين أن هذه المسألة من الصعب أن تُعالج دون تداعيات على المستوى السياسي، لافتة إلى أن الموقف الذي عبّر عنه حزب "القوات" دليل على ذلك. لكنها ترى أن الأهم يبقى في ما إذا كان ذلك سيرتبط في المستقبل بموقف أميركي متشدد.
بعد جلسة مجلس الوزراء التي بحثت في ملف الشاحنة خلال الأسبوع الماضي، طُرحت الكثير من الأسئلة حول ما إذا كان المخرج الذي تم التوصل إليه، نتيجة الاتصالات التي حصلت بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، ذات مصدر محلي فقط أم له أبعاده الخارجية. قبل أن يبدأ الحديث عن دور سعودي في هذا المجال، انطلاقًا من رغبة الرياض بعدم الذهاب إلى أي خطوة من شأنها أن تهدد الحكومة الحالية، لا سيما إذا ما بادر "حزب الله" إلى تصعيد كبير ردًا على أي قرار قد يصدر عنها.
هنا، تعود المصادر السياسية المتابعة لتذكر بأن رئيس الحكومة كان قد وصف انسحاب وزراء "القوات" من تلك الجلسة بـ"الشعبوية". إلا أنها رغم ذلك تدعو إلى التوقف عند مبادرة وزراء الحزب إلى إعلان عدم مشاركتهم في الجلسة التي عقدت أمس، حيث تؤكد أن ذلك مؤشر على أنهم في وارد الذهاب بعيدًا في الضغط من أجل إحالة الملف إلى المجلس العدلي. وهو أمر تعتبره لا ينفصل أيضًا عن موقف حزب "الكتائب"، أي الجهة السياسية التي ينتمي إليها وزير العدل عادل نصار.
من وجهة نظر هذه المصادر، فإن هذه المواقف ليست مستغربة من جانب "القوات" و"الكتائب"، لكن ما يستدعي التوقف عنده هو تقاطعها مع الرغبة المستمرة من جانب "حزب الله" في التصعيد، والتي يمكن الاستدلال عليها من البيان الذي كان قد صدر عن الشيخ قاسم. معتبرة أن ذلك يزيد من حدة الضغوط التي تواجه الحكومة، خصوصًا رئيسي الجمهورية والحكومة. بالرغم من أن الجميع يدرك أن للأمور أبعادها الخارجية التي لا يملك أي فريق محلي القدرة على التأثير في شكلها النهائي، لكن الأهم هو أنها تؤكد أن الحزب ليس في وارد التراجع، بالرغم من المعلومات عن تواصل يحصل مع الجانب الأميركي.
في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن حجم تأثير التصعيد المتبادل يبقى مرتبطًا بالقرار الأميركي بالدرجة الأولى. حيث يبرز السؤال المفصلي عما إذا كانت المعلومات عن غضب واشنطن من أداء السلطة الرسمية حقيقية أم لا، نظرًا إلى أنها، في حال صحتها، من المفترض أن تُستتبع بإجراءات عملية تبادر إليها في الفترة المقبلة. وإلا فإن الأمور ستبقى ضمن حدودها الراهنة إلى حين وضوح الرؤية على مستوى المسار الأميركي–الإيراني. وتشدد على أن المؤشر الأبرز سيبقى طريقة التعامل مع ملف "شاحنة ضهر البيدر".
























































