أشار ​بطريرك اللاتين للقدس​ ​​الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا​، خلال ترؤسه القداس الإلهي الاحتفالي ​عيد جميع القديسين​ في ​كنيسة دير الكلاريس​ في ​القدس​، إلى "أننا نحتفل بعيد جميع القدّيسين في هذا الدير، حيث ستُختتم، بعد القدّاس، المرحلة الأبرشيّة من دعوى تطويب خادمة الله ​الأخت مريم للثالوث الأقدس​ وترافقنا خبرتها في الإصغاء إلى كلمة الله، وتساعدنا على أن نكتشف كيف تستطيع هذه الكلمة أن تغيّر حياة إنسان".

وقال: "يدعونا ​القدّيس يوحنّا​، قبل كلّ شيء، إلى أن نتأمّل في عظمة ​محبّة الآب​ لنا، إذ يقول: "انظروا أيَّ محبّةٍ خصّنا بها الآب" (1 يو 3: 1). إنّها نظرة نحتاج إلى أن نستعيدها ونتعلّم أن ننظر إلى أنفسنا من خلالها. فنحن اعتدنا أن نقيس قيمة ذواتنا بما ننجزه، وبما ينتظره الآخرون منّا، وبالنتائج التي نحقّقها في عملنا. وحتى في حياتنا الروحيّة، قد نقع في فخّ الحكم على أنفسنا انطلاقًا ممّا ينقصنا، بدلًا من أن نرى ما نحن عليه في نظر الله. أمّا كلمة الله فتدعونا إلى أن نكتشف أنّنا أبناء محبوبون، وأن نجعل من هذه المحبّة أساسًا للثقة التي نعيش بها علاقتنا مع الآب".

وأضاف بيتسابالا: "لقد أمضت الأخت مريم وقتًا طويلًا في البحث عن المكان الذي تستطيع فيه أن تلبي دعوة الربّ، واجتازت في طريقها تجارب الرفض وسوء الفهم، حاملةً معها ما فيها من ضعف وهشاشة. وفي ختام مدوناتها عن دعوتها، كتبت: "ها هي رواية ضعفي ورواية رحمة الربّ". وعندما تنظر إلى الوراء، تتعرّف إلى الرحمة التي رافقتها، حتى في الأوقات التي لم تكن تفهم فيها إلى أين يقودها الربّ. هكذا تنمو القداسة: في صميم إنسانيّتنا، عندما نسمح لمحبّة الله بأن تحوّل ضعفنا البشري".

وأوضح أنّ "أننا نواصل الطلب، لأنّ حياتنا تحتاج إلى العون، وفي الوقت نفسه نكتشف في داخلنا رغبةً في البقاء معه. ويصبح حضوره ثمينًا حتى عندما تبقى أسئلتنا من دون إجابة. وهكذا يتحوّل الصمت إلى إصغاء، ومن خلال الإصغاء نتعلّم أن نميّز ما يريد الربّ أن يحقّقه فينا".

ولفت بيتسابالا، إلى أن "عدم الاكتمال جزءٌ من مسيرتنا في هذه الحياة. نحن نؤمن بمحبّة الآب، ومع ذلك كثيرًا ما نحاول حماية أنفسنا، ونخشى أن نفقد ما نملك، ونعاني صعوبة في أن نضع ثقتنا الكاملة به. ويمكننا نحن أيضًا أن نحمل إلى الصلاة كلّ ما يفصلنا عن هذه الثقة الكاملة بالله. فالربّ لا يزال يعمل في حياتنا، وأمانته تتيح لنا أن ننظر بصدق إلى واقعنا، وأن نتابع مسيرتنا بثقة متجدّدة".

وقال: "الجمع الغفير الذي تصفه رؤيا يوحنّا يقف أمام عرش الله وأمام الحمل. إنّه جمعٌ من كلّ أمّة وقبيلة وشعب ولسان. وهكذا هو الخلاص: شركةٌ لا يُطلب فيها من أحد أن يتخلّى عن تاريخه وهويّته لكي ينتمي إلى الله. وهذه الرؤيا تكتسب معنى خاصًّا بالنسبة إلينا هنا في القدس. فنحن نعرف كيف يمكن للانتماءات أن تصبح سببًا للانقسام بين الناس، وكم يصعب عليهم أن يلتقوا من جديد عندما تكون الذاكرة مثقلة بالجراح. أمّا الليتورجيا، فتفتح أمامنا أفق المستقبل الذي يعدّنا الله له، وهو المستقبل الذي ينبغي أن يستنير به مسعانا وقراراتنا اليوم. فإذا كان هناك مكان لكلّ شعب أمام الحمل، فنحن مدعوّون، منذ الآن، إلى أن نحفظ مكانًا للآخر في صلاتنا، وأن نتحمّل مسؤوليّتنا تجاه الآخرين".

وتابع بيتسابالا: "ينتمي هذا الجمع الغفير إلى الذين اجتازوا المحنة الشديدة. فالقدّيسون عرفوا المحن والشدائد، وغسلوا ثيابهم بدم الحمل. لقد اختبروا في حياتهم ثمار فصح ​يسوع​، ومحبّته التي تغفر وتخلّص. وهذه المحبّة هي التي قوّتهم وأسندتهم، وجعلتهم بدورهم قادرين على بذل ذواتهم. وهنا نستطيع أن نفهم جانبًا أساسيًّا من دعوة الأخت مريم للثالوث الأقدس. فقد كانت، من خلال "​نذرها بتقديم ذاتها​ ذبيحة حية"، ترغب في الاتّحاد بتقدمة المسيح، والمشاركة في محبّته من أجل خلاص البشر".

ولفت إلى أنّ "الألم قد يترك فينا جراحًا عميقة، وقد يدفعنا أيضًا إلى الانغلاق على ذواتنا. ولكي نجتاز آلامنا، نحتاج إلى من يسندنا. وعندما نتّحد بالمسيح، نستطيع أن نضع بين يديه كلّ ما يثقل قلوبنا، وأن نستمدّ منه القوّة لنواصل مسيرتنا في المحبّة".

وأضاف بيتسابالا: "في هذا الأفق، نصغي إلى ​التطويبات​. فينظر يسوع إلى الفقراء والحزانى والجياع إلى البرّ، ويبشّرهم ب​ملكوت الله​. إنّ وعده يفتح أمامهم أفقًا جديدًا، حتى في الظروف التي تبدو وكأنّها بلا مخرج: سيُعزَّون، ويُشبَعون، ويعاينون الله. وتحمل هذه الكلمات ملامح يسوع نفسه، الوديع والرحيم، الأمين للآب حتى في أوقات المحنة. واتّباعه يعني أن نتعلّم منه كيف نعيش مختلف الظروف والأحداث التي نمرّ بها".

وذكر أنّ "الصدق مع الذات يفتح أمامنا طريق الرحمة. ويزداد القلب نقاءً عندما يكفّ عن تبرير نفسه باستمرار، ويتواضع ليطلب المغفرة. وعندئذٍ تتغيّر أيضًا نظرتنا إلى الآخرين؛ فمن يدرك حاجته إلى الرحمة يتعلّم أن يكون رحيمًا مع الآخرين".

وشدد على أنّه "عندما نواجه كلمةً تُهين إنسانًا، نستطيع أن نردّ إليه كرامته، وعندما نرى شخصًا مُستبعَدًا، نستطيع أن نقترب منه. إنّ السعي إلى تحقيق العدالة يطلب منّا أن نحمي المجروحين، وأن نصون في قلوبنا القدرة على الاعتراف بإنسانيّة كلّ شخص".