أكد متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس ​المطران الياس عودة​، في كلمة له في الجلسة الثانية في مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة ​القدس​ المنعقد في ​القاهرة​، أن "غياب العدالة يخنق صوت الحق، وعدالة الأرض مهما سمت ناقصة، لكن الباطل مآله الزوال، ولا بد للحقيقة أن تسطع وللمقهور أن ينتصر"، معتبراً أن "ما تحاول ​إسرائيل​ القيام به، مدعومة بالقرار الاميركي الأخير، يهدف إلى إبراز صورة عن القدس تتعارض مع تاريخها، يضاف إلى ما قامت به في العقود الماضية من تغيير عمراني وديموغرافي وسياسي لوجه المدينة، وهذا يفقدها فرادتها وذاكرتها الجماعية ويحيلها مدينة بلا ماض ولا تاريخ".
وذكر عودة أن "القدس كانت وسوف تبقى في وعينا المسيحي الكنسي مدينة السلام أورشليم، المدينة التي وطئتها قدما الرب يسوع منذ طفولته، والتي صلى في أروقة هيكلها وبشر فيها وبذل فيها ذاته ذبيحة عن الإنسانية لكي يخلصها"، متسائلاً "كيف لهذه المدينة أن تفقد هويتها وتصبح مكانا يشهد على اضطهاد المؤمنين بالله وسحقهم بعد تهجير آبائهم وأجدادهم"؟
وأشار الى "اننا لا ننظر إلى القدس كمكان وحسب، بل كجوهر يحمل معنى روحيا يتجاوز تقلبات التاريخ وال​سياسة​ وما جرته من عداوات وحروب"، لافتاً الى ان "القدس بالنسبة لنا هي المدينة المقدسة التي شهدت مراحل الصلب والموت والقيامة، وستبقى المكان الذي فيه يرفع التمجيد لله العلي إلى أبد الدهور".
وأوضح أنها "مدينة الصلاة، صلاة كل من يؤمن بالإله الواحد الأوحد، التي نتوق جميعنا إلى زيارتها والسير في طريق الجلجلة التي خطاها الرب، والتبرك من ​كنيسة القيامة​، وموضع الصعود، ومكان حلول الروح القدس في العنصرة على التلاميذ، وقبر والدة الإله، وغيرها من أماكن الحج ​المسيحية​ والإسلامية التي تزخر بها"، منوهاً الى أن "القدس بالنسبة لنا هي أكثر من هذا، على أهميته، نحن لا نوافق على تهويد القدس وتشويه طابعها العربي المسيحي الإسلامي، كما نرفض بشدة تهجير العرب والمسيحيين بشكل خاص، لأننا نعتبر أن القدس بكنائسها ومؤسساتها وأوقافها هي قدسهم وهي مدينة آبائهم وأجدادهم ومنبع ديانتهم ومحل إيمانهم وصلاتهم".
وشدد على أن "البشر هم همنا الأكبر في القدس التي يجب أن تبقى لأهلها، للفلسطينيين، وأن تبقى مدينة الصلاة والسلام، ومكان التعايش بين الأديان والشعوب"، مؤكداً "أننا أننا كأرثوذكس إنطاكيين كنا وما زلنا نعتبر أنفسنا أول الموجودين في القدس وأول المهتمين بها وبمصيرها. نحن نؤمن بأن الفلسطينيين هم أصحاب البيت، وقد تم تحويلهم إلى غرباء ومشردين".
كما نوه عودة الى "اننا كمسيحيين مشرقيين نلتمس الرضى الإلهي، وننشد وجه الله حيثما كنا، وخصوصا في القدس وفي وجوه إخوتنا أبنائها، ونسعى إلى إحقاق الحق، وابتغاء العدالة، والعمل على إعلاء شأن الإنسان، والحفاظ على حريته وكرامته"ن موضحاً "اننا قوم نؤمن أن الله قد خلقنا أحرارا، وأنه تجسد ليعتقنا من عبودية الشر والخطيئة، وليعيدنا إلى أحضان الآب، جاعلا إيانا أبناء له بالنعمة المعطاة لنا من لدنه".
كما أشار الى أن "الإنسان بالنسبة لنا يحمل نفحة إلهية وهو محل المحبة والإحترام، لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله وهو عزيز في عيني الرب وعيون أحبائه. كل ما يجرد الإنسان من كونه غاية في ذاته هو خروج على إرادة الله ومحبته اللامحدودة. وكل من يحد من حرية الإنسان ويحرمه حقوقه يخالف التعاليم السماوية. إن القدس حق لأبنائها كما ​لبنان​ حق لأبنائه، وكذا في سائر بلدان شرقنا والعالم. لذلك من حق ​الشعب الفلسطيني​ أن يعيش بسلام في بلاده، في أرضه، في قدسه"، مستذكراً "قول المثلث الرحمة البطريرك إغناطيوس الرابع في ​القمة الإسلامية​ في ​الطائف​ سنة 1981: "القدس قلب إنسانيتنا وما يصيبها يصيب كل بشري بمقدار"، نحن في لبنان قد أصبنا من جرح القدس وفلسطين عامة، وفتحنا أرضنا وقلوبنا لإخوتنا الفلسطينيين، وكنا نأمل أن تكون استضافتنا لهم قصيرة، يعودون بعدها إلى ديارهم آمنين، وها قد انطوى أكثر من نصف قرن وما زالوا غرباء في ديار الأرض، والعالم متغافل، والعرب نائمون، وما زالت القدس حزينة على فقد بنيها".

وذكر عودة أن "القدس كلبنان مكان لقاء الإخوة، مسيحيين ومسلمين. ومكان تفاعل الأفكار والثقافات والأديان، فهي تخص المسيحيين بقدر ما تخص المسلمين، والإهتمام بمصيرها مشترك، ومن القدس انطلقت المسيحية إلى أقاصي الأرض، وفيها أوصى الرب يسوع تلاميذه: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 19 و20). نحن إذا أصيلون في القدس أصالة الرب يسوع، ولا يمكن لأحد أن يتجاهل التاريخ"، لافتاً الى أن "الوجه الحقيقي لشرقنا الأوسط، ولقدسنا بخاصة، لا يتجلى في أصالته إن لم يرتفع فيه صوتان معا: صوت مسيحي وصوت إسلامي، يشكلان توأما مشرقيا يطالب بحق الفلسطينيين بأرضهم وحق المسيحيين والمسلمين بمقدساتهم".
ودعا الى أن "نرفض معا أن تكون القدس ألعوبة سياسية أو منطلقا لمآرب تغلب فيها المصلحة على الحقيقة والإستقامة والعدالة، ولا ندعن جدية من يود سلبنا القدس تكون أقوى من جدية إرادتنا في استعادتها".
وختم بالقول "أخيرا نكرر مع فيروز:البيت لنا والقدس لنا، وبأيدينا سنعيد بهاء القدس، بأيدينا للقدس سلام آت، على رجاء أن يمد الرب الإله يد رحمته علينا ويوقف كل نزف في ديارنا، ويضمد جراحاتنا ويبسط سلامه في شرقنا وفي العالم أجمع، أتمنى لكم كل خير وبركة من لدنه".