لم تتوقف الأوساط اليمينية الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة عن محاولات «التنكيل» بالنائبة الأميركية عن ولاية مينيسوتا إلهان عمر التي نشرت –الشهر الماضي– تغريدة على موقع «تويتر» تتهم فيها السياسيين الأميركيين الموالين للدولة العبرية بقبض الأموال من «البنيامينات»، في إشارة إلى الورقة النقدية من فئة المئة دولار التي تحمل صورة الرئيس الأميركي الراحل بنجامين فرانكلين.

ومنذ ذلك الحين، لم تهدأ الجهود الحثيثة والمتكالبة لمحاولات وصمها بـ«معاداة السامية» وكراهية اليهود، في خطوة أشبه بـ«الاغتيال السياسي» للنائبة الصومالية الأصل التي تجرأت على المس بـ«قدس الأقداس» في واشنطن، كما لم يشفع لها اعتذارها واعترافها بأن «معاداة السامية حقيقية» وتأكيدها على أنه لم يكن في نيتها أبدأً «إزعاج الأميركيين اليهود».

ورغم ترسانة الأدلة على التأثير الطاغي للوبيات الداعمة لإسرائيل –وفي طليعتها «آيباك»– ونفوذها الغاشم على مؤسسات صناعة القرار الأميركي، إلا أن الكثير من السياسيين الأميركيين يفضلون دفن رؤوسهم بالرمال والتعامي عن هذه الحقيقة التي لم تعد بحاجة إلى أي دليل.

هل يكفي –مثلاً– أن نعلم ما قاله المسؤول البارز في «لجنة العلاقات الإسرائيلية الأميركية»، ستيفن روزين، للصحفي في مجلة نيويوركر، في 2005؟ قال له: «هل ترى هذا المنديل؟ آيباك تستطيع جمع تواقيع سبعين عضواً في مجلس الشيوخ عليه فوراً».

وهل يكفي أن نعرف –أيضاً– بأن الناشط الإسرائيلي الصهيوني يوري أفنيري قال، وفقاً لبعض التقارير الإعلامية، بأنه «إذا قدمت آيباك اقتراحاً في الكونغرس لإلغاء الوصايا العشر، فسوف يحصل على الفور على ثمانين صوتاً في مجلس الشيوخ، و300 صوت بمجلس النواب».

وإذن، أي نصر حققته عمر، الخميس الماضي، مع إصدار الكونغرس الأميركي لقرار يدين «التمييز ضد المسلمين» جنباً إلى جنب مع إدانة «معاداة السامية» وكراهية الأقليات، وبأغلبية 407 أصوات، مقابل 23 صوتاً. كانت عمر بين المصوتين لصالح القرار الذي رافقه الكثير من الجدل والانقسام بين أعضاء الكونغرس، والذي اقتصرت نسخته الأولى على إصدار قرار يدين «معاداة السامية»، ويتضمن الإشارة للنائبة الديمقراطية بالاسم.

وبالعودة إلى تباشير فوزها الأولى، كأول نائبة أميركية مسلمة تحت قبة الكابيتول، جنباً إلى جنب، مع زميلتها النائبة عن ميشيغن رشيدة طليب. عمر.. كانت أول مسلمة محجبة تنجح بالوصول إلى الكونغرس الذي بادر إلى تعديل قانونه الداخلي بهدف السماح بارتداء الحجاب في مقره. هل ينبغي عليناً فعلاً إسقاط هذا «الإنجاز» واعتباره مجرد تغيير شكلي، لا يعني أي شيء في موازين الحقوق المدنية والدينية؟.

ولماذا تهتم «آيباك» بالشكل أيضاً، ألم يشتر اللوبي الإسرائيلي «التصفيق الطويل لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في إحدى المرات»، بحسب الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز توماس فريدمان الداعم للدولة العبرية؟

في السياق ذاته، قال واحد من أعتى المؤيدين لإسرائيل، وهو الصحفي غولدبيرغ الذي يترأس حالياً تحرير مجلة «ذا أتلانتك»: «صورة آيباك في الكونغرس.. لا أحد يستطيع تجاوزها، وإلا سيسقط».

وبالتالي، لن نكون مبالغين إذا ما فكرنا بأن حجاب إلهان عمر قد يساهم في نزع الفتيل عند الكثير من المتعصبين والمعادين للدين الحنيف، والذين يستفزهم هذا «الرمز الإسلامي» الذي كان مبرراً للتهجم على العديد من النساء المسلمات في كافة أرجاء أميركا.

ولا يمكننا الاحتفال بانتصار عمر، من دون الإشادة بجهود بعض أعضاء الكونغرس الأميركي الذين ساندوها في هذه المحنة العصيبة، وانتصروا لحريات التعبير والتعديل الأول في الدستور الأميركي، وفي مقدمتهم «التجمع التقدمي» و«تجمع الأفارقة الأميركيين الديمقراطيين»، في مجلسي النواب والشيوخ.

وما أنجزته عمر، بقصد أو بدون قصد، ليس كافياً لحسم معركة الحقوق والحريات المدنية في الولايات المتحدة، ولا يتعدى كونه حجراً في مستنقع راكد، لكن مثل هذا الإنجاز يجب أن يبنى عليه، ويجب أن يشكل إلهاماً للمسؤولين الأميركيين الذين يؤمن معظهم بأنهم لن يتمكنوا من الوصول إلى مرادهم بدون حجز التذاكر لدى مجموعات الضغط النافذة، ومنها آيباك، على سبيل المثال لا الحصر.

يكفي إلهان عمر.. أنها دخلت «عش الدبابير» وخرجت سالمة، وإن كانت قد لسعت مرات ومرات في الآونة الأخيرة، فكلنا أمل أن تزيد تلك اللسعات من مناعتها وصلابتها، وتزيد من إصرارها على متابعة النضال في قول كلمة الحق، التي هي المحك الحقيقي لكل سياسي يطمح في تمثيل الناس ويتطلع إلى تحقيق أحلامهم وتطلعاتهم، بلا خوف أو تحسب لأحد مهما بلغت سطوته وشراسته!