الحكومة ال​لبنان​ية أمام تحدٍّ كبير غير مسبوق: عليها إصدار موازنة العام 2019 وفق مقاربات مقررات مؤتمر "سيدر" بمعنى:
ان تُظهر فيها حجم النفقات
وأن تظهر فيها مصادر الإيرادات
وأن تظهر نسبة ​العجز
وان تظهر كيفية تضييق الفجوة بين النفقات والايرادات.
***
والمسألة دقيقة وليست مسألة وعود: فلا يصح على سبيل المثال لا الحصر ان تقول ان إيرادات ستتوافر لها في السنوات المقبلة، لأن في السنوات المقبلة هناك نفقات أيضًا، فلا يجوز الحديث عن إيرادات من دون نفقات.
قانون ​الموازنة​ واضح: هو لسنة مالية، وليس لسنوات: ماذا سننفق في هذه ​السنة​؟
ما هي إيراداتنا هذه السنة؟ وكيف نضيِّق بين النفقات والايرادات؟
***
صحيح ان لبنان بلدٌ واعد بالموارد، فهناك ​بلوكات النفط​ في البحر، وعددها تسعة بلوكات على طول ​الشاطئ اللبناني​، وأول البلوكات قبالة البترون سيجري تلزيمه أواخر هذه السنة، والشركات التي تقدَّمت هي شركات عالمية، ولا مجال للتلاعب بالأمر، لأن البلد تحت أنظار المجتمع الدولي و​صندوق النقد الدولي​ و​البنك الدولي​.
لكن كل هذه المؤشرات لا تنطبق على موازنة العام 2019، فهذه الموازنة هي كالمريض الذي يحتاج إلى دواء فورًا لكن يقال له إن هذا الدواء لن يتوفر إلا عام 2023، عندها ما نفع توافره حين يكون المريض قد فارق ​الحياة​؟ الأجدى توفير العلاج، أو على الأقل "الإسعافات الاولية" إلى حين تأمين الدواء.
هذا هو حال موازنة العام 2019:
موازنة العام 2019 مريضة، والدواء لا يتأمن إلا في العام 2023، فإن انتظرنا حتى ذلك العام "يموت المريض"، فماذا على الحكومة ان تفعل للوصول بالمريض إلى العام 2023 من دون ان يموت؟ بل نكون في حال موت جماعي بأعين مفتحة وذاكرة تعيدنا الى أيام ترف وبذخ مسؤولينا الذين استخفوا ليس بمصير البلاد والعباد بل بتلزيم البلد لمصالحهم.
أول شيء عليها ان تفعله ان تنسى امر "الغاز في البحر"، لأنها تكون كمن "يشتري السمك في البحر": لا يمكن احتساب مردود الغاز إلا بعد استخراجه وتوقيع عقود البيع، تمامًا كما "السمك في البحر": لا يمكن بيعه إلا بعد سحب الشباك.
***
ما دون ذلك يبقى كلامًا في الهواء، اما موازنة هذه السنة فيجب ان تكون إيراداتها من هذه السنة، وهنا التحدي الأكبر أمام الحكومة التي لم تُنجِز بعد كل أرقامها.
ومن دون لف ودوران: في حال عدم القدرة على توفير إيرادات كبيرة، المطلوب عصر وعدم تكبير النفقات، أي بمعنى آخر: فتِّشوا عن كيفية خفض نفقاتكم التي هي كبيرة وكثيرة، هكذا نصل إلى موازنة تقشفية يستطيع البلد من خلالها العبور إلى السنة 2023 بأقل قدر ممكن من المخاطر. وكيف نصل اذا لم نسترد الاموال المنهوبة؟ التي ولا أحد من المسؤولين له أي شعور حيال إعادة أي فلس.
ولكن "على الطريق"، تنبّهوا إلى أمر بالغ الخطورة والأهمية: هناك قطاع خاص ليس مريضًا فحسب، بل هو يترنح، إلى حد ان نسبة منه دخلت في مرحلة الغيبوبة، فهل تلفتت الحكومة إلى هذه النسبة قبل المزيد من الإنهيار؟