لم يعد خافياً ذاك المشروع الأميركي الصهيوني المطبّق على المنطقة الممتدة من ​إيران​ مروراً ب​العراق​ وسورية و​لبنان​ واستطراداً ​فلسطين​ و​اليمن​ المتمثل في إجبار أو تطويع نظم الدول المذكورة وشعوبها على الإذعان لمطالب وتهديدات ​الإدارة الأميركية​ الصهيونية عبر التواجد العسكري الأميركي في المنطقة أو عبر وكلاء أميركا من تنظيمات إرهابية نُظمت وجُهزت جرى تمويلها وتسليحها خصيصاً بهدف زعزعة أمن واستقرار الدول الرافضة للاذعان والتطويع، أما الوجه الآخر للمشروع الأميركي تمثل بحرب ناعمة عمادها الخنق ال​اقتصاد​ي والمالي للدول عينها لأن آثارها التخريبية على بنية ​الدولة​ والمجتمع أشد وطأة وذلك عبر فرض ​عقوبات​ اقتصادية جائرة تنهك الدولة وتفكك ​البيئة​ الاجتماعية.

وإذا بحثنا عن محددات تماسك العلاقة بين الدولة والمجتمع لاكتشفنا بأن متطلبات تمتين العلاقة بينهما تكمن بمدى إمكانية الدولة تطبيق قوانين صارمة لمنع ​الفساد​ وتأمين العيش الكريم للمواطن من طبابة صحية واستشفاء وضمان التعليم المجاني وسهولة في السكن بما يتناسب ومستوى دخل الفرد لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية الأمر الذي يمنح الدولة قدرة الحصول على ثقة المواطن بالنظام ويعطي المجتمع طمأنينة العيش في كنف دولة مسؤولة وقادرة على ضمان مستقبل المواطن وصون كرامته الأمر الذي يجعل من المجتمع ذا ثقافة عالية بالمواطنة وأكثر تمسكاً بالنظام القائم للدولة مستميتاً في الدفاع عن بنية الدولة الوطنية من أي خطر أو اعتداء يتهددها فتغدو القضية المركزية عند المواطن والمجتمع الدفاع عن النظام والدولة.
أما في حال تقاعست الدولة عن تطبيق النظام الذي يكفل للمواطن عيشه الكريم بما يضمن مستقبل وأمن المجتمع فإن عقد العلاقة بين الدولة والمجتمع يغدو مهدداً بالانفراط الأمر الذي يفسح المجال واسعاً أمام استشراء غزوة الفساد في السعي لتأمين المصالح الفردية وتقديمها كأولوية على حساب المصلحة الوطنية حينها تشرع أبواب التدخلات الخارجية لإثارة الفتن وزرع الفوضى للعبث بأمن الوطن والمجتمع بهدف ضرب الوحدة الوطنية وفرط تماسك العلاقة مع الدولة حينها تنحرف بوصلة المواطن في الدفاع عن نظام الدولة فيصبح نظام الدولة بالنسبة للمواطن والمجتمع أساس المعضلة.
لا غلو بالقول إنه في حال تلاقي القضية الوطنية مع المعضلة المعيشية الإنسانية فإن المعضلة المعيشية تطغى على القضية الوطنية لتحتل المعضلة الأولوية عند المواطن فتجده لاهثاً خلف فك رموز ضيق الحال لتأمين مستلزمات العيش الكريم لأسرته حينها تشهد القضية الوطنية تراجعاً بالالتزام والدفاع عنها حيث يصبح الدفاع المقدس عند المواطن هو الدفاع عن بقاء أسرته بما يؤمن قوت أطفاله وضمان تكاليف الاستشفاء والتعليم لهم وحفظ مستقبلهم حينها تنقلب الأدوار فيصبح رب الأسرة بمرتبة الدولة المسؤولة عن أبنائها أما الأسرة فتحتل دور المجتمع الذي يطالب الدولة أي رب الأسرة بتأمين مستلزمات العيش الكريم فتزداد الضغوط النفسية والمعيشية وينقلب ترتيب الأولويات.
إن قدس الأقداس هو الالتزام بالدفاع عن القضية الوطنية ولو جار فساد الداخل ومهما تعددت أساليب المعتدي لكن لنعترف بأن تأمين المستلزمات المعيشية والمالية للمواطن هي من أهم مقومات الصمود بوجه الضغوط والتدخلات الخارجية لتشكل سداً منيعاً بوجه ما يحاك من مؤامرات لإنهاك الدولة وتفكيك المجتمع.
إن الدفاع عن نظام الدولة والوطن في ظل ظروف معيشية قاسية يعتبر جهاداً مقدساً بحاجة إلى ثقافة وطنية عالية وإيمان راسخ بالانتماء الوطني الخالص رغم الظروف القاسية.
وللدلالة على عمق الالتزام الوطني فإن سورية وإيران تواجهان ظروفاً اقتصادية متشابهة صعبة للغاية فهناك شح في موارد الثروات الطبيعية جراء احتلال أميركي لمنشآت ​النفط​ في سورية أو جراء عقوبات أميركية جائرة مفروضة على إيران ومع ذلك لم تستطع أميركا النيل من عزيمة ​الشعب السوري​ ولا الشعب الإيراني بالتضحية التاريخية المقدسة في سبيل الدفاع عن الوطن وعن تماسك العلاقة بين الدولة والمجتمع في كلا البلدين.
أما المشهد في كل من العراق ولبنان فهو مختلف جداً حيث نكبة التركيبة الطائفية والمذهبية تطيح بقيام الدولة المتماسكة فقرار الدولة هناك صار مرتهناً للقوى الخارجية فضاعت الهوية الوطنية لتحل مكانها الهوية المذهبية ومسألة الانتماء الوطني أضحت مشاعاً لصالح الدول الخارجية ولو نهبت المقدرات والثروات فأصيبت الدولة في كل من العراق ولبنان بانفصام الولاء وصارت القضية الوطنية هي المعضلة الأساس وصار البحث عن حل للقضية الوطنية ضرب من ضروب ​الخيال​ فضاعت الدولة وضاع معها المجتمع.
إن صمود سورية الأسطوري بوجه المخطط الأميركي الصهيوني أعطى دفعاً معنوياً قوياً ورفع منسوب الوعي عند شعوب المنطقة الرافضة لمبدأ الإذعان لرغبات الإدارة الأميركية ما أسهم في إفشال أهداف الوجود الأميركي في المنطقة.
لكن وبعد إدراك ​الولايات المتحدة الأميركية​ فشلها في تحقيق أهداف مشروعها المدعوم بالتكافل والتضامن مع بعض دول البترودولار لجأت أميركا إلى الخطة البديلة القائمة على العناصر التالية:
1- قطع رأس الهيدرا المؤدلجة والمؤثرة على مجتمعات المنطقة.
2- ممارسة الخنق الاقتصادي والمالي لتجويع شعوب دول محور ​المقاومة​.
فها هي أميركا تغتال قادة محور المقاومة المؤثرة في مجتمعاتها والسلسلة مرشحة للتزايد.
أما في المقلب الآخر فقد كشفت أميركا عن وجهها البشع القاتل للإنسانية الداعم لخلق فوضى اجتماعية لم تشهد المنطقة مثيلاً لها بعد منع التحويلات المصرفية والقبض على قرار ​المصارف​ المرتبطة بعملة ​الدولار​ لتنفيذ عملية تجويع وتركيع ممنهجة للشعوب بهدف إثارة الفوضى وفك التماسك بين الدولة والمجتمع ما يؤدي لانتفاضة الشعب ضد نظام الدولة.
إن الإدارة الأميركية بجريمتها البشعة بوجهها الجديد أرادت القول إن أمنكم الاجتماعي والمالي خاضع لإرادة أميركا وحدها.
إن تحرير دول محور المقاومة وثرواتها من سطوة الاحتلال العسكري الأميركي لهو أمر مقدس ويجب تحقيقه مهما بلغت التضحيات لكن يبقى السؤال عن الإستراتيجية التي تحرر اقتصاد ومالية دول محور المقاومة.
إن دول محور المقاومة مطالبة بوضع إستراتيجية نافذة تمكننا من الفكاك عن سطوة الدولار الأميركي واستبداله بسلة من العملات الأجنبية وإلزام المبادلات التجارية التعامل بعملات دول المحور فيما بينها وبناء جسور تحالفات اقتصادية تسهم في تشبيك المصالح بين دول المحور ودول صاعدة في شرق آسيا مثل ​الصين​ و​روسيا​ و​الهند​ وحتى ​أميركا الجنوبية​ مثل ​فنزويلا​ و​البرازيل​ ودول أخرى.
إننا في دول محور المقاومة بحاجة إلى صبر إستراتيجي وثقافة عالية بالانتماء للوطن وإيمان راسخ في الدفاع عن الدولة وعن تماسك المجتمع ومنعه من التفكك وذلك للحفاظ على إرث آبائنا وأجدادنا لتتوارثها أجيالنا وذلك ضماناً لحرية واستقلال أوطاننا وعرفانا منا بتضحيات شهدائنا الذين أطاحوا بالمعضلة ليبقى الاستشهاد في سبيل الدفاع عن القضية الوطنية أولوية مقدسة.