منذ تاريخ الإنفجار الذي حصل في مرفأ ​بيروت​، في الرابع عشر من آب الماضي، أبدت ​فرنسا​ إهتماماً إستثنائياً بالملف ال​لبنان​ي، نتيجة قلقها من تدهور الأوضاع الإقتصادية والمالية في بلاد ​الأرز​، من دون تجاهل مصالحها الخاصة في الحفاظ على الإستقرار في هذه ​الدولة​ المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وهو ما عبرت عنه بشكل واضح من خلال زيارة رئيسها ​إيمانويل ماكرون​ إلى بيروت في مناسبتين، بالإضافة إلى إطلاقها مبادرة هي عبارة عن خارطة طريق للخروج من ​الأزمة​.

منذ ذلك الوقت، تعرضت المبادرة الفرنسية، التي كان من المفترض أن تستتبع ب​مؤتمر​ دولي ل​مساعدة​ لبنان بعد ​تشكيل الحكومة​ العتيدة، إلى العديد من المطبات، منها ما هو مرتبط بالظروف الإقليمية والدولية، خصوصاً الضغوط الأميركية، ومنها ما هو مرتبط بالخلافات بين القوى السياسية المحلية التي لم تخرج من دائرة الصراع على الحصص والمكاسب.
في ظل هذه المعطيات، يعقد اليوم المؤتمر الدولي لمساعدة ​الشعب اللبناني​، الذي تريد من خلاله ​باريس​ التأكيد، بحسب ما ترى مصادر سياسية مطلعة عبر "​النشرة​"، وقوفها إلى جانب هذا الشعب في ظل الأزمات المتعددة الأوجه التي تمر بها البلاد، على عكس ما كانت بعض الأوساط تتحدث عن أنها باتت منشغلة إلى حد بعيد بأوضاعها الداخلية، خصوصاً بعد التوتر الطائفي الذي عرفته البلاد في الفترة الماضية.
كان ماكرون يطمح إلى أن تكون ​الحكومة الجديدة​، ب​رئاسة​ ​سعد الحريري​، قد تشكلت قبل موعد إنعقاد هذا المؤتمر، بعد فشل ​السفير اللبناني​ في ​برلين​ ​مصطفى أديب​ في إنجاز هذه المهمة، نظراً إلى أن ذلك كان سيمثل رسالة أساسية بأن القوى السياسية، التي يعتبر المجمع الدولي أنها فقدت ثقة غالبية الشعب، أدركت خطورة الأوضاع وأهمية الإنتقال إلى مرحلة جديدة من ​الحياة​ السياسية، إلا أن ذلك لم يحصل.
إنطلاقاً من ذلك، تعتبر المصادر نفسها أن إنعقاد المؤتمر بالشكل الحالي يمثل رسالة إلى الطبقة السياسية اللبنانية، التي لم تتأخر في إستثماره على قاعدة الترويج لنظرية أن لبنان لن يترك وحيداً، وتشير إلى أنه يؤكد أن هناك من هو مهتم في الخارج بأوضاع اللبنانيين أكثر من زعمائهم، الذين لم ينجحوا في الإتفاق على تشكيل حكومة التي من المفترض أن تكون إنقاذية، وترى أن أحد أهداف إصرار باريس على عقد المؤتمر قد يكون الرغبة في تعرية تلك الطبقة أكثر.
من حيث المبدأ، الطابع الإنساني سيكون طاغياً على هذا المؤتمر لا السياسي، خصوصاً في ظل الرغبة في عدم تدخل الدولة بكامل أجهزتها في ملف المساعدات، الأمر الذي يؤكد عامل عدم الثقة بشكل فاضح، بالرغم من علامات الإستفهام التي تطرح حول الجهات التي ستستلمها، نظراً إلى أن بعض الجمعيات لم تقدم نموذجاً مختلفاً عما كانت تقدمه الأجهزة الرسمية على هذا الصعيد، لناحية شبهات ​الفساد​ والسرقة، لكن ماذا عن تداعيات ذلك؟
من وجهة نظر هذه المصادر، الحضور الفرنسي في الملف اللبناني سيكون أكبر في المرحلة المقبلة، أي بعد تسلم إدارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بادين ​السلطة​، نظراً إلى أن الأخير يعتمد ​سياسة​ الإنفتاح والتعاون مع حلفاء ​الولايات المتحدة​ التقليديين ولديه ملفات أكثر أهمية منها الملف الصيني، وبالتالي سيحصل على تفويض وحرية في العمل أوسع من الحالية، ما يعني أنه على الأرجح سيكون أكثر تشدداً في التعامل مع القوى السياسية المحلية.
في المحصلة، بعد إعتذار أديب واجه ماكرون القوى السياسية اللبنانية، عبر مؤتمر صحافي، بعبارات قاسية لم يكن من الممكن تقبلها من معظمها، لكن هذه المرة يواجهها بأفعال تساهم في تعريتها على المستويين المحلي والدولي، بإنتظار ما قد يقوم به من خطوات في ​المستقبل​ القريب.
​​​​​