أيام ثقال تمر على ​العالم​ أجمع بسبب جائحة ​كورونا​ التي فرضت قوانين جديدة للحياة في جميع أنحاء العالم، وأجبرتنا على تغيير نمط حياتنا وأدخلت مصطلحات جديدة على قواميسنا، وبات التعليم عن بعد (الأونلاين) يتصدر الأحاديث اليومية بعدما حل زائراً ثقيلاً على معظم البيوت، وذلك من أجل تأمين الحد الأدنى من الشروط التربوية اللازمة لكي يستطيع التلميذ متابعة تحصيله العلمي.

أما نحن في ​لبنان​ حيث استحداث المصطلحات عادة قديمة، سوف نتوقف عند مصطلح المستعان بهم الذي أستحدث بُعيد ​الأزمة السورية​ التي أدت إلى نزوح السوريين إلى البلاد المجاورة وعلى رأسها لبنان، فهبت المنظمات الدولية للمساهمة بفتح أبواب ​المدارس الرسمية​ بدوام مسائي للأطفال ​النازحين​ لكي لا نكون أمام جيل من الأميين، وأمام حاجة هذه المدارس لأساتذة كان لابد من إعلان توظيف يستوجب حصول المتقدمين على إجازة في الإختصاص المنوي تعليمه، فجاء مصطلح المستعان بهم ليجرد المجاز من أي حق بالتفكير بالإستقرار الوظيفي حيث من شروط الإلتحاق بالمدرسة التوقيع على عقد يمتنع فيه عن المطالبة بالتثبيت أو الحصول على أي حقوق أخرى. لكن أمام هذا الواقع المر و​البطالة​ المستفحلة يجد المُجاز نفسه مضطر للقبول بهذه الشروط المهينة لكي يأمن مدخول يقيه العَوَز.
وبما أن هذا العام استثنائي على كافة الأصعدة ولاسيما الصحية والإقتصادية، نجد هناك تضارب ما بين تصريحات الوزارة التي ترفع شعار "مصلحة التلاميذ وحقهم بالتعليم أولوية" نجد أن قراراتها تتنافى مع حقوق التلاميذ والأساتذة على حد سواء، فعندما اعتمدت التعليم المدمج كان التعليم حضوريا بنسبة 100% للدوام المسائي على أن يتم اللجوء إلى مجموعات لتجنب الإكتظاظ داخل الصفوف وتأمين الحد الأدنى من التباعد الإجتماعي، وبذلك تتعلم كل مجموعة أسبوع وتعطل أسبوع، لكن المفارقة أن الصفوف التي لا يحتمل تقسيمها تتعلم أسبوع وتبقى أسبوع في المنزل بدلا من الاستفادة من قلة عددهم لإعطائهم القدر الممكن من المنهج ! وهذا يتنافى مع أولوية الحق بالتعلم.
وبعد قرار ​الاقفال العام​ جاء القرار الصادم من ​وزارة التربية​ التي أقرت أن التعليم عن بعد للدوام المسائي سيكون ثلاث ساعات في الأسبوع الأول وساعتين في الأسبوع الذي يليه وذلك لتخفيف الضغوط على التلاميذ الذين يعانون من الفراغ أصلاً. من هنا جاءت صرخة الأساتذة بإعتبار أن هذه القرارات لا تخدم مصلحة التلميذ ولكنها تهدف لإنقاص ​الساعات​ المنفذة للأساتذة الذين يطالبون أساساً برفع أجر ساعتهم بعد تدهور سعر الصرف ​الليرة اللبنانية​ وخاصة أن ​الدول المانحة​ تمول التعليم المسائي ب​الدولار​ الأميركي، وعلى هذا الأساس تمت الدعوة إلى الإضراب. وفي ظل غياب المنطق ثارت ثائرة المسؤولين عن التعليم المسائي شاهرين سيف التهديد باستبدال الأساتذة الملتزمين بالإضراب رافعين الشعار ذاته "مصلحة التلاميذ وحقهم بالتعليم أولوية" الذي بات يثير السخرية مع القرارات المتخذة التي تمعن في منع التلميذ من حقه في أخذ عدد الساعات اللازمة لتكملة المناهج المطلوبة.

من هنا نجد أنفسنا أمام عام دراسي يُسلب فيه التلميذ حقه في التعلم ويُسلب فيه الأستاذ أجره أولاً نتيجة تدهور سعر صرف الليرة وثانياً من خلال إجباره على تنفيذ عدد أقل من الساعات التي يتضمنها عقده، رغم كل الوعود المطلقة التي تعد الأستاذ بأنه سيتم تعويض هذه الساعات لكن كل من يعلم القليل عن الوقائع التربوية يعرف أن ليس هناك أي امكانية لتعويضها، وأن المهددين هم المستفيدون الرئيسيون من الأموال التي تدفعها الدول المانحة.