كارثة، مأساة، جريمة، نكبة، زلزال... تعددت الكلمات التي اتت على لسان العالم اجمع في وصف ​انفجار مرفأ بيروت​ في 4 آب 2020، وطالب الجميع بتحقيق سريع وشفاف لمعرفة المرتكبين والمقصرين والمسؤولين، وانزال العقاب القانوني اللازم بهم. ولكن، تدرج الحالة القضائية والقانونية محلياً ودولياً، اظهر بما لا يقبل الشك ان الملف ذاهب الى النسيان، على غرار ملفات كثيرة كانت "فائقة الاهمية" بالنسبة الى لبنان. فبعد تعهد ​الحكومة​ السابقة الكشف عن ملابسات الحادث في 5 ايام، وبعد المطالبات من كل حدب وصوب بأن يكون التحقيق والمحاكمة دوليين وليس محليين، وبعد التقارير "المضحكة" لكل من مكتب التحقيق الفدرالي FBI والاجهزة الغربية حول اسباب الحادث، وبعد رفض كل الدول اظهار ما تكشفه الاقمار الصناعية في اليوم المشؤوم للبنان عموماً وبيروت بنوع خاص، بدا وكأن قطار "الملفات للنسيان" قد انطلق بالفعل من مرفأ بيروت على السكة الموضوعة لوجهته النهائية. وبعد "غض النظر" الدولي عن المسالة، لم يكن ينقص المسؤولين والمعنيين في لبنان الحجج والذرائع والقدرات الفكرية اللازمة للتمييع والتأخير، من وجهات نظر قانونية وقضائية بالطبع، كي تبدأ عملية النسيان في التفاعل، خصوصاً وان الظروف المعيشية والحياتية والاقتصادية والمالية والسياسية تنهش عقول اللبنانيين وافكارهم، ولا تترك مجالاً للتفكير في امور اخرى، الا ​الانتخابات​ حتماً.

ومع ​تشكيل الحكومة​ الجديدة والاعلان عن اقتراب بدء التفاوض مع ​صندوق النقد الدولي​ وما سيترتب عليه من نتائج يتم الترويج الى انها ستكون فاعلة في التخفيف من حمل اللبنانيين، اتخذ المسار القضائي لملف الانفجار منحى ضبابياً تكفل بوضع الغشاء اللازم على القضية، واطاح بأكثر من قاض وآخرهم القاضي ​طارق البيطار​، وسط غموض كامل عما اذا كان هؤلاء القضاة ضحايا ام ابطال، مع تساؤلات كبيرة طرحت في قضية القاضي البيطار عن دور ​حزب الله​ في كف يده تمهيداً لتنحيته عن القضية. في مطلق الاحوال، ومع تعذر كشف اللون الابيض من الاسود في ما خص هذه القضية ومدى قانونيتها وصحة سلوك القضاة وما تخلل التحقيقات والاتهامات التي تم توجيهها. كل هذه المعطيات، يبدو انها تحظى بغطاء دولي او على الاقل برضى خارجي تكفّل بتخفيف الوطأة عن اللاعبين المحليين ليستمروا في ادائهم "الناجح" في التعتيم على المسألة. وهل من يتوقع بعد بالفعل ان يبقى الزخم نفسه لدى اللبنانيين، بعد اكثر من سنة على الواقعة الاليمة وسقوط الشهداء؟ وهل من داع للتذكير بأن حمى الانتخابات بدأت تنتشر كالنار في الهشيم في المجتمع اللبناني، وانه فور نجاح المفاوضات مع صندوق النقد والمنظمات الدولية المالية والاقتصادية الاخرى، ستلفح رياح اعادة الاعمار وتأهيل المرفأ وبعض المدن وستبعد معها كل اسس التحقيقات والمحاكمات التي كانت منتظرة؟
يعاني اللبنانيون في كل يوم من همّ جديد يضاف الى همومهم، وعند اراحتهم من اي مشكلة، تنبت مشكلة اخرى تبقيهم في حال التوتر اللازم والاستيقاظ الدائم لمعالجتها كونها تمس بحياتهم اليومية واسس بقائهم على قيد الحياة. لا شك لدى احد انه سيتم تصوير كل "انجاز" في المدى القريب على انه خشبة خلاص، كما حصل في الملف الحكومي، وكما حصل عند تراجع صفوف الانتظار على محطات البنزين (ولو لم يؤكد احد انها ستبقى كذلك ام سرعان ما ستعود لسبب او لآخر)، مع التشديد والتأكيد على ان جينات الطائفية والمذهبية والتبعية للزعماء ورؤساء الاحزاب والتيارات ستزيد من نشاطها يوماً بعد يوم وحتى موعد ​الانتخابات النيابية​ التي ستتكفل "البروباغندا الاعلامية" على تجسيدها كالنقطة المحورية في طريق لبنان، بينما في الواقع ستكون كغيرها من المحطات والاستحقاقات التي شهدناها والتي لم تغيّر شيئاً في المعادلات والخطط الموضوعة، لا بل زادتها سوءاً.
وفي خضم كل ذلك، سيفتقد قطار النسيان لعدد من الركاب الاساسيين، وهم اهالي الشهداء ومن احبهم بصدق، فهؤلاء وحدهم لن تؤثر بهم كميات التخذير التي ستصلهم كغيرهم من اللبنانيين، فالالم والجروح العميقة ستقاوم كل انواع التخدير وتحت اي مسمى كان. ..