تشارَكنا مِن أُسبوعَين[1] تَصاويرَ لِحامِلاتِ الطّيبِ اللّواتي أَتينَ قَبرَ الرَّبِّ الأَحدَ صَباحًا، والتَّصاويرُ كانت عِبارَة عن لَوحَتَين رومَانِيَّتَين مِنَ العَاجِ، يَعودُ تاريخُهما إلى حَوالى العام ٤٠٠م.

نُكمِلُ في هَذِهِ المَقالةِ رِحلتَنا مَعَ حامِلاتِ الطّيبِ، في مراحِلَ زَمنيَّةٍ مُتقَدِّمَةٍ ومُختَلِفَة، نُشاهِدُ فيها تَصاويرَ أُخرى لهنّ، والهَدَفُ من ذلِكَ أن نُقَدِّمَ للجَميعِ بِشكلٍ عامّ، ولِلمُحِبّينَ للفَنِّ الكَنَسيّ بِشَكلٍ خاص، كُنوزًا ذاتَ أصالَةٍ وقِدَمٍ وأَهميَّةٍ، بِهَدَفِ تَعميقِ مَعرِفَتَنا المَسيحيَّةِ، والغَرفِ مِن جَمالاتِها.

أمّا بَعدُ،

المَحطَّةُ الأُولى، نُشاهِدُ على قارُورَةِ مُونزا[2] (لوحة A1)، مِنَ القَرنِ السَّادسِ الميلاديّ، امرَأتَين تَتكلَّمانِ مَعَ مَلاكٍ، وفي الوَسطِ قَبرُ يَسوعَ الفارِغ. مِيزَةُ هذهِ القَارورَةِ أنَّها تُبرِزُ أعيادًا سَيّدِيَّةً[3] في الكَنيسَةِ: الميلادُ في الوَسَطِ، فوقَهُ مباشَرَةً وبِاتّجاهِ عَقارِبِ السَّاعَةِ: الصُّعودُ، وَالِدَةُ الإلهِ وأليصابَاتُ، الصَّلبُ، حامِلاتُ الطّيبِ والمَلاك، الظُّهورُ الإلهيّ، البِشَارَة. يَعلُو القَارُورَةَ صَليبٌ رَمزًا للفِداء. وهُناكَ قَاروراتٌ عَليها مَشهدُ حامِلاتِ الطِّيبِ فَقَط.

المَحطَّةُ الثَّانِيَةُ، فُسيفساءُ مِنَ القَرنِ السَّادِسِ الميلادِيّ، في بازِيليك Sant’Apollinare Nuovo في رافين-إيطاليا، نُشاهِدُ فيها امرأَتَينِ مِن حامِلاتِ الطِّيبِ، ومَلاكًا والقَبرَ الفارِغ. المَرأةُ الّتي تَلبَسُ النَّبيذِي الدَّاكن/البُنّي، هِيَ وَالِدَةُ الإلهِ على الأغلب. القَبرُ مُستَديرٌ مَعَ عَوامِيدَ، ولَهُ قُبَّةٌ حَمرَاءُ، وُيُعتَقَدُ بِقُوَّةٍ بِأنَّهُ مُستَوحًى مِن كَنِيسةِ القِيامَةِ في أُورَشلِيمَ، الّتي بَناها الإمبراطورُ قِسطنطِينُ في القَرنِ الرَّابِعِ الميلادِيّ. (لوحة A2)

المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ، يُظهرُ إنجيلُ رابولا السُّريانيّ المُصوَّرُ والمَحفوظُ في مَكتَبَةِ فلورانس (٥٨٦م)، تَصويرًا لِمَجيءِ النِّسوةِ إلى القَبرِ في الإِطارِ ذاتِه. (لوحة A3)

المَحطَّةُ الرَّابِعَةُ، نَنتَقِلُ هُنا إلى القَرنِ السَّابِع، بِحيثُ تُطِلُّ عَلَينا أيقُونَةٌ رائِعَةٌ، مَحفُوظَةٌ في دَيرِ القِدّيسةِ كاترينا في سِيناء. نُشاهِدُ فيها وَالِدَةَ الإلَهِ واقِفَةً، والقِدّيسَةَ مَريمَ المَجدَلِيَّةَ مُنحَنِيةً أمَامَ الرَّبِّ يَسوعَ القائِمِ، وعلى رَأسَيهِما هَالَةُ القَداسَة. حَركَتُهُما ووضعِيَّتُهما تُشابِهُ اللَّوحةَ العاجِيَّةَ مِنَ العامِ ٤٠٠م، الّتي ذُكِرَت في المَقالَةِ مُنذُ أُسبُوعَين. (لوحة A4)

واضِحٌ مِن هَذا السِّياقِ، أنَّ تَصويرَ مَجِيءِ حامِلاتِ الطِّيبِ إلى القَبرِ الفَارِغِ هو تَصويرٌ للقِيامَةِ، وكانَ سائِدًا بِقُوَّة. لِتَعودَ وَتَظهَرَ لاحِقًا أَيقُونَةُ نُزولُ الرَّبِّ إلى الجَحيم كما يَذكُر الكِتابُ المُقَدَّس[4].

المَحطَّةُ الخامِسَةُ، مِنطَقَةُ كبادُوكِيا (تُركيا حاليًّا)، مِن القَرنِ الثَّاني عَشَر تَقرِيبًا، نُشاهِدُ فيها جِدارِيَّاتٍ (لوحة A5) حَولَ المَوضوعِ ذاتِه، وأُخرَى للرَّبِّ يَسوعَ ووَالِدَةِ الإلَه، وأَحداثٍ إنجِيليَّةٍ أُخرى. تاريخُ كَبادُوكيا في المَسيحِيَّةٍ حافِلٌ، خَرَجَ مِنها آباءٌ قِدّيسونَ كِبار[5]، وتعرّضَ فيها المَسيحيّونَ لاضطهاداتٍ قاسية وهُجِّروا منها. مَن يَزُورُها تَلفِتُهُ جَمَالُ الكنائِسِ دَاخِلَ صُخورِهَا الشَّاهِقَةِ، والجِدارِيَّاتُ الرَّائِعَةُ في داخِلِها، فيَخالُ الواقِفُ في هَذِه الكَنائِسِ أنَّ جَوقاتٍ مِنَ المَلائِكَةِ تُسَبِّحُ اللهَ، وأَساقِفَةً وكَهَنة يَرفَعونَ القَرابِينَ، والشَّعبَ المُؤمِنَ يُرتّلُ ويَصرُخُ آمين، ثُمَّ يقتَرِبُ صُفوفًا ويَتناوَلُ جَسدَ الرَّبِّ ودَمَهُ الكَريمَين.

المَحَطَّةُ السَّادِسَةُ، جِدارِيَّةٌ رائِعَةٌ (لوحة A6) (القرن ١٣م) في دَيرِ Mileševa الصّربي، حَيثُ نَرى مَلاكًا يُشِعُّ بِاللبَاسِ الأبيَضِ، يُشيرُ بِإصبَعِهِ إلى الأَقمِطَةِ الفَارِغَة. عَن يَسارِهِ وَالِدَةُ الإلَهِ ومَريمُ المَجدَلِيَّة. جَناحُ المَلاكِ الأيسرُ مُرتَفِعٌ، كَأنَّهُ بِذَلِكَ وَصلَ تَوًّا مِنَ السَّماءِ: "مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ.[6]"
تَمَّ إرسالُ صُورَةِ هَذا المَلاكِ الأَبيض كَرِسالَةٍ، في أَوَّلِ إشَارَةِ بَثٍّ عَبرَ الأقمَارِ الصِّناعِيَّةِ، من أُوروبا إلى أَمريكا بَعدَ أزمَةِ الصَّوارِيخِ الكُوبِيَّة، كَرمزٍ للسَّلام.

المَحَطَّةُ السَّابِعَة، أَيقُونَةُ حامِلاتِ الطّيبِ، الّتي صَوَّرَها ثِيوفانيس الكريتي، في دَير Stavronikita في جَبَلِ آثُوس، في القرنِ السَّادِسَ عَشَرَ (لوحة A7). قد تَكونُ الأَكثرَ شُيوعًا. تُظهِرُ وَالِدَةَ الإلهِ، والقِدّيسَةَ مَريمَ المَجدَلِيَّةَ، ومَلاكًا بِلِباسٍ أَبيضَ بَرَّاقٍ، جَالِسًا على حَجَرِ القَبرِ، يُشيرُ بِيَدِهِ إلى الأَكفَانِ الفارِغَة.

عُنوانُ الأيقُونَةِ بِاليونَانيَّةِ: هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ (متى ٦:٢٨). نُشاهِدُ في الخَلفِ مَغارَةً سَوداءَ دُوِّنَ عَلَيها القَبرُ المُقدَّس. المَغارَةُ تُذَكِّرُنا بِمِيلادِ السيِّد. فَالمَولُودُ هُوَ المَصلوبُ والقَائِم، وهَذا ما نُرَتِّلُهُ دائِمًا. وأَقمِطَةُ الوِلادَةِ هي ذَاتُها على الصَّليبِ، وهي هُنا فارِغة.

كَذَلِكَ تَرمُزُ المَغارَةُ إلى دُخولِ الرَّبِّ إلى عُمقِ الجَحيمِ لِيُخَلِّصَ الإنسان. هَكذا انتهى الظَّلامُ وحَلَّ مَكانَهُ نُورُ القِيامَة، ومِنهُ مَلأت حامِلاتُ الطِّيبِ جِرارَهُنَّ وذَهبنَ لِيُبَشِّرنَ الرُّسلَ بِذَلك.

قد نُشاهِدُ في التَّصاويرِ امرَأتَين أو ثَلاث أو أَكثَر، ومَلاكًا أو مَلاكَين، إذِ الإنجِيليَّانِ مَتّى ومَرقُسُ يَذكُرانِ مَلاكًا واحِدًا، بَينَما لُوقا ويُوحنَّا يَذكُرانِ مَلاكَين. الاختِلافُ غِنًى ولَيسَ تَناقُضًا عَلى الإطلاق. فَالنِّسوَةُ كَثيرَاتٌ، وهَذا ما يَذكُرُهُ الإنجيليُّ لوقا، ولا يُحَدِّدُ عَددَهُنَّ[7]، وَالهَدفُ عِندَ الإنجيليّينَ كان نَقلَ فَرَحِ القِيامَةِ أَوّلًا، فنَحنُ أَمامَ حَدثٍ يَفُوقُ الوَصفَ، تَجري فيهِ الأَحداثُ بِسُرعَةٍ مَهولَة.

تُجدُرُ المُلاحظةُ أنَّ المَلاكين اللذين نُشاهِدُهُما مِنِّ كُلِّ جِهَّةٍ على القَبرِ الفارغ، في بَعضِ الأيقونات، يُذكّرانِنا بتابوتِ العهدِ والكاروبيَن على غَطاه، لأنَّ الذي كانَ في القَبرِ هوَ كَلِمَةُ اللهِ المُتَجَسِدُ والقَائِم[8].

ويُذكرُ القدّيسُ غريغوريوس بالاماس[9]، أنَّ والدةَ الإلهِ سَبَقتِ الجميعَ بإدراكِها حدثَ القِيامة[10].

خُلاصَةً، يَقولُ القِدّيسُ أفرَامُ السُّريانِيّ، إنَّ آدَمَ خَلَعَ عَنهُ نِعمَةَ اللهِ، ولَبِسَ الخَطيئَةَ وخَرَجَ مِنَ الفِردَوسِ مَهزُومًا، بَينَما يَسوعُ خَلَعَ كُلَّ مَعاصِينا، وخَرَجَ مِنَ الجَحيمِ مُنتَصِرًا، وهكذا فإنَّ ما يَجِبُ علينا فِعلُه أن نَخلَعَ عَنَّا كُلَّ لِباسِ العَفنِ، لِنَخرُجَ مِن قَبرِ ضُعفاتِنا لابِسينَ المَسيحَ، ومُنتَصِرينَ مَعَهُ، وإلاّ فالمَوتُ الأبَدِيّ.

إلى الرَّبِّ نَطلُب.

[1]. موقع النشرة - هُنَّ أَتينَ ونَحنُ؟ - الأب أثناسيوس شهوان - السبت ٧ أيّار ٢٠٢٢

[2]. هي قارُوراتٌ يَجلِبُها مَعهُم الحُجَّاجُ مِنَ الأرَاضي المُقَدَّسَةِ كتَذكارَاتٍ، نُقِشَت عليها أَحداثٌ إنجيليّة. محفُوظةٌ في Monza Cathedral north of Milan، مُهداةٌ مِن مَلِكَةِ اللومبَارديّين Theodelinda (570–628)

[3]. بمعنى أنَّها مُرتَبِطَةٌ بالسيِّدِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح.

[4]. أفسس ٩:٤-١٠ - ١ بطرس ١٩:٣

[5]. أَشهَرُهُم الآباءُ القِدّيسونَ الكَبادوكيّون الثَّلاثةُ العِظام: باسيليوس الكبير (٣٣٠-٣٧٩م)، غريغوريوس النزينزي (٣٢٩-٣٩٠م)، غريغوريوس النيصصي (٣٣٥-٣٩٥م).

[6]. متى ٢:٢٨-٣

[7]. "وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ." لوقا ٥٥:٢٣ و ١:٢٤

[8]. "وَيَكُونُ الْكَرُوبَانِ بَاسِطَيْنِ أَجْنِحَتَهُمَا إِلَى فَوْقُ، مُظَلِّلَيْنِ بِأَجْنِحَتِهِمَا عَلَى الْغِطَاءِ، وَوَجْهَاهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الآخَرِ. نَحْوَ الْغِطَاءِ يَكُونُ وَجْهَا الْكَرُوبَيْنِ." (خروج ٢٠:٢٥)

[9]. ١٢٩٦-١٣٥٩م

[10]. يوحنا ١:٢٠-٢