لا يمكن عدم التوقف عند الكلام الصادر عن السفير السعودي السابق في ​لبنان​ علي عواض العسيري، وبالاخص حين يتكلم عن لبنان وعن الاستحقاق الرئاسي، فالرجل لا يزال على اطلاع وتواصل مع العديد من الشخصيات والقوى الفاعلة، وعلى الرغم من كل ما قيل ومن وجود سفير سعودي جديد على الساحة اللبنانية، الا ان ما قاله العسيري يجدر اخذه في الاعتبار وتقييمه بشكل جدي.

كالعادة، تمت قراءة المواقف التي اطلقها العسيري، وفق رغبة كل طرف، فمنهم من رأى فيها نعياً نهائياً لحظوظ رئيس تيار المردة ​سليمان فرنجية​ والوزير السابق ​جهاد ازعور​، ومنهم من اعتبر انها تحمل معطيات جديدة لتعزيز موقف فرنجيّة وقطع الطريق على المرشحين الآخرين.

في الواقع، لا يحتمل كلام العسيري التأويل، وهو كان واضحاً بالقول انه، وبحسب رأيه، يعتبر ان الباب الرئاسي اقفل امام فرنجية وازعور، من دون ان يحدد البديل عنهما، ما ابقى الباب مفتوحاً بشكل واسع امام قائد الجيش ​العماد جوزاف عون​، والمرشح "المستتر" الوزير السابق زياد بارود الذي سبق والتقى المبعوث الرئاسي الفرنسي ​جان ايف لودريان​ في جولته الاولى الى لبنان، وفق ما تؤكّده مصادر متابعة للملف الرئاسي. ترى المصادر نفسها ان العسيري قد يكون تسرّع قليلاً في اقفال الابواب، من دون ان تستبعد ابتعاد اي من المرشحين عن مسار السباق في وقت لاحق، انما بعد ان تنضج "الطبخة الرئاسيّة"، وتقول انه يمكن لفرنجية وغيره التراجع من دون أيّ حرج اذا اقتضى الامر، لأن اياً منهم لم يقدم ترشيحه بشكل رسمي، كما ان الذريعة الدائمة لجهة دعم الحلول وعدم الوقوف في درب نهوض لبنان والاجماع وغيرها من الامور، جاهزة على مدار الساعة لاعلانها. لم يكن سراً وفق المصادر، ان تراجع انتهاء حظوظ فرنجيّة ستصب لمصلحة العماد عون، ولكن حتى اليوم لا تزال هذه الحظوظ قائمة ويجب التعاطي معها على هذا الاساس، الا اذا كان لودريان يحمل بالفعل طرحاً جديداً يحظى بموافقة اطراف اللجنة الخماسيّة التي اجتمعت في قطر، في حين ان كل ما تردد من اصداء عن هذا الاجتماع تشير الى انه لم يكن هناك من اتفاق واضح على خريطة الطريق التي يجب اعتمادها.

وصول لودريان الى بيروت مرة ثانية، سيكون محملاً، بعد كلام السعيري، بالآمال والتوقعات الايجابية للاعلان عن بداية مسيرة الحل، والتي كما اعلنها السفير السعودي السابق وقالها قبله العديد العديد من المتابعين والسياسيين والمسؤولين، ستكون ضمن رزمة متكاملة تشمل الرئيس ورئيس الحكومة والحكومة. ولكن، ما هو الثمن الذي سيتمّ دفعه لابعاد فرنجية من جهة، وطمأنة رئيس التيار الوطني الحر ​جبران باسيل​ و​الثنائي الشيعي​ وبعض القوى السياسية الاخرى؟ لانه من المعلوم ان اياً من هذه الاطراف قادر على عرقلة سلاسة العملية الانتقاليّة، تماماً كما ثبت ان عرقلة الثنائي الشيعي اثمرت بشكل فاعل، فيما كانت رهانات الكثيرين تقوم على فشل هذه الجهود والمساعي، بمباركة دولية طبعاً.

من المنطقي القول ان التطورات المتسارعة تفرض اعطاء دفعة مهمة للملف اللبناني، ولكن المصالح تبقى هي الممسكة الحقيقية بهذا الملف، ولا بد من ارضاء الجميع (على الصعيد الدولي) كي تطل الايجابية برأسها في لبنان، ولا بد من الالتفاتة باهتمام، الى المسعى السنّي الحاصل اخيراً لتوحيد الصف والموقف، وهو ما يشي بمسار جديد للسعودية بعد ان كان نشاطها قد خفّ بشكل واضح حتى التهديد بخسارة الورقة اللبنانية. وعليه، فإن كل الاحتمالات لا تزال واردة، وسيقطع لودريان من خلال جولته الثانية في لبنان الشك باليقين، فإما ترحيل الازمة الى العام المقبل، واما تلمس اشارات التحول الايجابي على اكثر من صعيد، ولا بد من ترقب الاثمان.