منذ تاريخ الكشف عن مبادرة تكتل "الإعتدال الوطني"، كانت الكثير من الأسئلة تطرح حول موعد ظهور العراقيل المنتظرة، بالرغم من الإيجابية التي كانت تضخ من قبل غالبية الأفرقاء، لا سيما أن الجميع يدرك أن مفتاح الملف الرئاسي لم يعد منذ أشهر طويلة، في الداخل اللبناني، وبالتالي لا يمكن التعويل على أيّ حراك محلي ما لم يكن يحظى بغطاء خارجي كبير.

أول من أمس، برزت على الساحة السياسية الملاحظات التي أدلى بها مستشار رئيس ​المجلس النيابي​ نبيه بري النائب ​علي حسن خليل​، التي نُظر إليها من قبل العديد من القوى السياسية بأنها تنسف المبادرة بشكل كامل، سواء تلك المتعلقة بشكل الحوار أو التشاور المنتظر أو بكيفية التعامل مع الدعوة إلى جلسة إنتخاب بدورات متتالية.

بالنسبة إلى مصادر نيابية معارضة، هذه الملاحظات تعيد الأمور إلى المربع الأول، أي عدم القدرة على الرهان على حل في وقت قريب، نظراً إلى أن الفريق الآخر لا يريد التقدم خطوة إلى الأمام، بل على العكس منذ ذلك، هو يتمسك بمرشحه رئيس تيار "المردة" ​سليمان فرنجية​، منذ اليوم الأول لدخول البلاد الشغور الرئاسي، ويريد من باقي الأفرقاء التوافق معه على الإسم، لا النقاش في الخيارات الممكنة للخروج من الأزمة.

وتشير هذه المصادر، عبر "النشرة"، إلى أنّ هذا الفريق، في الأصل، أعطى نفسه حق تصنيف باقي المرشحين، بين الجدّي وغير الجدي، ويقرر، عندما يريد، أن ينفي وجود مرشحين للرئاسة باستثناء رئيس تيار "المردة"، ما يعني عدم القدرة على الوصول معه إلى أيّ نتيجة، نظراً إلى أنّ رهانه الأساسي على عامل الوقت، على قاعدة أن الظروف الضاغطة من الممكن أن تدفع الآخرين إلى التنازل، كما حصل في ​الإنتخابات الرئاسية​ الماضية.

وتوضح المصادر نفسها أنّ هذا هو الدافع وراء التحذيرات، التي كانت قد صدرت في الفترة الماضية، من إحتمال الذهاب إلى مقايضة رئاسية، على إعتبار أن هذا الفريق يجد في الأوضاع العسكرية الحالية على جبهة الجنوب، فرصة للقيام بذلك مع ​الولايات المتحدة​، على قاعدة أن أيّ تنازلات حدوديّة، من الممكن أن يقدم عليها، لا بد أن يحصل في مقابلها على أثمان في الداخل.

بناء على ما تقدم، من الممكن الحديث عن أنّ الملفّ الرئاسي عاد من جديد ليكون في ملعب الأفرقاء الخارجيين، حيث لم تظهر، حتى الساعة، أيّ مبادرة جدّية في هذا المجال، بالرغم من الأجواء التي يحاول سفراء ​اللجنة الخماسية​ في بيروت بثها.

في هذا الإطار، تلفت مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن مفتاح الملفّ الرئاسي هو بيد مستشار الرئيس الأميركي ​جو بايدن​ لشؤون الطاقة عاموس هوكشتاين، الذي يتولى أيضاً الإتصالات الهادفة إلى ترتيب الأوضاع الجنوبيّة بعد إنتهاء العدوان على ​قطاع غزة​، وتؤكد أنّ أيّ كلام آخر يعاكس الحقيقة، نظراً إلى أن واشنطن، في الأصل، لا ترى إمكانية للوصول إلى تسوية رئاسية، في المرحلة الحالية، وهو ما تتماهى به مع بعض الأفرقاء المحليين.

وتؤكد هذه المصادر أن في الداخل اللبناني من يدرك هذا الأمر جيداً، ولذلك لا يفضل التعامل بجدية مع أي طرح لا يكون مصدره الولايات المتحدة، ليس فقط على الصعيد السياسي بل أيضاً العسكري، على قاعدة أن واشنطن هي المقرر الأول على المستوى الخارجي، أما باقي الجهات الأخرى فدورها ثانوي بالحجم الذي تسمح فيه ​أميركا​ نفسها لا أكثر، وهي تستطيع، في أي لحظة، أن تحجم هذا الدور أو تزيده.

في المحصلة، تدعو المصادر نفسها إلى إنتظار ما سيأتي من واشنطن على هذا الصعيد، الأمر الذي تستبعد أن يكون موعده قبل الوصول إلى تسوية بشأن قطاع غزة، بسبب إرتباط العدوان على القطاع بالأوضاع على الجبهة الجنوبية، وتشدد على أن كل حديث غير ذلك يأتي من باب تمرير الوقت.