تمر إسرائيل اليوم بمنعطف حرج على المستوى السياسي والأمني، حيث تواجه حكومة بنيامين نتنياهو تحديات مركبة تنبع من تصعيد عسكري غير مسبوق في قطاع غزة، مرتبطًا بمعاناة أهالي المخطوفين الفلسطينيين الذين باتوا أحد ملفات الأزمة الأكثر حساسية وتعقيدًا. هذا الملف الإنساني يتقاطع مع قرار الحكومة الإسرائيلية بشن اجتياح شامل على القطاع، في محاولة لإعادة فرض السيطرة، لكن بآثار عميقة على الاستقرار الداخلي والسياسي.
في قلب المشهد الإسرائيلي الراهن، يبرز رهان نتنياهو على مشروع "إسرائيل الكبرى" كاستراتيجية تمكينية، تستند إلى دعم أميركي ضمني على خلفية التوترات الإقليمية المتصاعدة والمخاوف المشتركة من النفوذ الإيراني. هذا الدعم الأميركي، وإن كان صامتًا وليس مستتراً، يعزز من ثقة نتنياهو ويمنحه هامش مناورة أوسع، لكن على حساب استنزاف الموارد والاحتكاك المتزايد مع بعض القوى الأوروبية الذي يبدي تحفّظًا متزايدًا.
ويبدو واضحاً أن رئيس الوزراء الاسرائيلي يحاول استغلال الحالة الأمنية لتقوية موقعه السياسي، مستندًا إلى أصوات اليمين المتشدد التي تدعمه، لكن ذلك لا يمنع وجود بوادر توتر وحالة من عدم الاستقرار السياسي، خاصة مع تصاعد الضغوط الشعبية والانتقادات المتزايدة من مختلف الأطياف. ولا يمكن استبعاد إمكانية سقوط الحكومة، لكن في ظل غياب بدائل واضحة وتحالفات متينة، قد يلجأ إلى استراتيجيات تعزيز وجوده من خلال التصعيد الأمني والسياسي، مستفيدًا من حالة الطوارئ لتعليق أي نقاش جدي حول البدائل السياسية. هذه المقاربة الجهنمية اثبتت نجاعتها في المرحلة السابقة، وصمد رئيس الوزراء الحالي في وجه كل العقبات التي كانت تعترض استمراره في الحكم، وخرج مزهواً بنشوة الانتصار، وحتى الجيش الاسرائيلي الذي كان حتى الامس "بيضة القبان" في تقرير مصير المسؤولين السياسيين، اخضعه نتنياهو لمصالحه، فأطاح بالقيادة العليا بدءاً من وزير الدفاع وصولاً الى كبار الضباط، وها هو اليوم يلمّح الى اعفاء رئيس الأركان من مهامه لاعتراضه على اجتياح غزة والتحذير من نتائجه السلبية، في حين وصل الامر ببعض المسؤولين الى نعت رئيس الاركان بـ"الجبان".
على الصعيد الأوروبي، يتصاعد موقف الاعتراض الذي تعبر عنه بعض الدول بوضوح، إذ تعددت الإجراءات العقابية التي تستهدف مسؤولين إسرائيليين، مما يعكس تعبيرًا عن استياء متزايد من سياسة الحسم العسكري التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية. هذا الانقسام في الموقف الدولي يضع نتنياهو أمام تحدٍ دبلوماسي معقد، إذ يتعين عليه الموازنة بين مصلحته السياسية الداخلية وضغوط المجتمع الدولي التي تهدد بعزل إسرائيل، مع الاخذ في الاعتبار ان رئيس الوزراء الإسرائيلي شبه مقتنع انه لن يتعرض ولا حكومته لاي اجراء عملي يؤذيه مباشرة (اقتصادياً او سياسياً او مالياً او معنوياً)، بسبب الغطاء الأميركي من جهة، وضعف التدابير الأوروبية من جهة ثانية.
ولكن، على الرغم من ان الموقف الأوروبي ضعيف، فإنه يبدو افضل بأشواط من الموقف العربي الذي يبدو حتى الآن خجولًا، أو يمكن القول شبه غائب، خصوصًا بالنسبة للخطط الإسرائيلية الرامية إلى تعميق السيطرة على الأراضي الفلسطينية، التي تزامنت مع استمرار المجازر وسقوط الضحايا المدنيين في غزة. هذه "الغيبوبة" العربية الرسمية بقيت حاضرة، تخرقها من وقت الى آخر أصوات التنديد والاستنكار المعزولة عن أي رد حاسم أو خطوات ملموسة للتراجع عن التطبيع الذي أُبرم عبر "اتفاقات أبراهام"، التي باتت تشكل حاجزًا سياسيًا أمام إحياء القضية الفلسطينية على الساحة الإقليمية والدولية. هذه الحالة من الصمت المريب، قد تعكس انقسامات داخلية أو حسابات استراتيجية لدى الدول العربية، لكنها في الوقت نفسه تضعف من فرص التضامن مع الشعب الفلسطيني وتفتح المجال لتمرير مخططات التهجير والتهديد المباشر بترحيل الفلسطينيين، ما قد يؤدي إلى زوال وجودهم التاريخي في أراضيهم.
من الواضح ان الأزمة الحالية في إسرائيل تعكس حالة معقدة سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، حيث تتصارع أجندات داخلية وخارجية ومصالح شخصية تؤثر على مستقبل الحكومة والمشهد الإقليمي بأسره. ومع غياب موقف عربي موحد وفاعل، واستمرار الدعم الأميركي، ووسط ضعف الموقف الأوروبي الموحد، يبدو أن نتنياهو ماضٍ في مشروعه، على حساب مزيد من المعاناة للشعب الفلسطيني، الذي يظل رهينة الصراعات الكبرى، في انتظار انفراج ما أو تغير جوهري يصعب التنبؤ به في المدى القريب.























































