لم ينجح وقف إطلاق النار في إعادة الجنوب إلى ما كان عليه. فبين القرى المدمّرة، والحدود المشتعلة، والتهديدات الإسرائيلية المتواصلة، يبدو أنّ المعركة لم تنتهِ بقدر ما تغيّرت أدواتها. إسرائيل لم تعد تكتفي بالقصف والاحتلال، بل تسعى إلى فرض واقع أمني جديد داخل الجنوب، يقوم على إنشاء منطقة عازلة غير معلنة تُبعد السكان وتمنع العودة وتحوّل القرى الحدودية إلى مساحة ضغط دائم.
في المقابل، دخلت المسيّرات بقوة إلى قلب المواجهة، لتصبح أحد أبرز عناصر حرب الاستنزاف بين إسرائيل و"حزب الله". وبين محاولة إسرائيل فرض قواعد اشتباك جديدة، وسعي الحزب إلى منع تثبيت هذا الواقع، يبقى السؤال الأخطر: ماذا يحصل فعلاً جنوبا؟ وهل نحن أمام وقف للنار قابل للصمود، أم أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف المفتوح؟
"اسرائيل تضع قواعد اشتباك جديدة وتقوم باحتلال الارض من أجل أن تمتلك أوراق قوة اضافية في المفاوضات". هذا ما أكده قائد معركة فجر الجرود العميد المتقاعد فادي داوود عبر "النشرة"، لافتا الى أن "المعادلة اليوم التي تبني عليها تقوم على أن كلّ كيلومتر اضافي يعدّ ورقة تفاوضية اضافية".
ويعود العميد فادي داوود ليؤكد أن "جنوب الليطاني أصبح خالياً من السلاح ولو أن هناك عمليات تجري من هناك، ولكن وحتى نقارب الوضع بشكل دقيق يجب أن ننظر الى البقاع، خصوصاً وأن أعداد الصواريخ تقلصت كثيراً وخمسة وخمسون قرية دمرت بالكامل ولم يعد يوجد فيها "حزب الله"، وهذا هو الخط الأصفر حيث يحدث التدمير والتواجد الناري"، لافتاً إلى أنّ "المنطقة العازلة التي تنوي إسرائيل إنشاءها تختلف عن تلك التي أُنشئت عام 2000، إذ كان في تلك المنطقة حينها تواجد سكاني، أما اليوم فهي تريد أن تكون هذه المنطقة خالية من السكان".
"في المفهوم العسكري، المنطقة العازلة والخط الأصفر هما محاولةٌ لفرض منطقة فصل ناري داخل جنوب لبنان؛ شريط أمني غير معلن رسمياً لكنه مفروض بالقوة، هدفه على المدى القريب إبعاد التهديد عن الحدود، ومنع عودة السكان لتجفيف البيئة القتالية، فضلاً عن خلق واقع يشبه المنطقة الأمنية". هذا ما أكده العميد المتقاعد منير شحادة، مشيراً إلى أنه "على المدى البعيد، تسعى إسرائيل إلى اللعب على عاملَي الزمن والذاكرة، لتصبح هذه المنطقة العازلة جزءاً لا يتجزأ من الكيان الإسرائيلي، وما الجولان المحتل إلا مثال على ذلك. غير أنّ تل ابيب تعلم في لبنان أنّ هذا الأمر سيكون مكلفاً، وتجربة الحزام الأمني قبل عام 2000 ماثلة أمامها"، مؤكداً أنّ "هذا الخط غير مستقر عملياً، والاشتباكات ما زالت تحدث داخله، وحزب الله لا يزال يعمل ضمنه. وبالتالي فإنّ المنطقة العازلة هي محاولة لفرض واقع، أكثر منها واقعاً ثابتاً".
ويبقى موضوع المسيّرات أساسياً في المعركة، إذ يرى العميد منير شحادة أنه "يُعدّ العنصر الأكثر تأثيراً في الوقت الراهن. فـ'حزب الله' يستخدمه ويعتمد بشكل متزايد على مسيّرات استطلاع ومسيّرات هجومية وانقضاضية، ومؤخراً على مسيّرات FPV التي تعمل بواسطة سلك الفايبر أوبتيك، والتي شكّلت خطراً كبيراً على إسرائيل وستغيّر تكتيك جيشها بشكل جذري نظراً لصعوبة التعامل مع هذه المشكلة"، مشيراً إلى أنّ "تلك المسيّرات تضرب تجمعات الجنود، وتستهدف الآليات، وتُربك القيادة الميدانية"، ومؤكداً أنّ "استخدام المسيّرات يُعدّ عنصراً حاسماً لأنها منخفضة الكلفة، ودقيقة نسبياً، وصعبة الرصد، وفعّالة ضد القوات البريّة"، لافتاً إلى أنها "باتت أداة استنزاف يومي فعّالة".
في المحصلة، يرى العميد شحادة أنّ "إسرائيل تملك تفوقاً نارياً كاملاً، لكنها غير قادرة على تثبيت سيطرة أرضية مستقرة، في حين أنّ حزب الله خسر جزءاً من بيئته لكنه نجح في فرض حرب استنزاف فعّالة"، مختتماً بالقول إننا "أمام حرب استنزاف طويلة لا حسم سريع، في وقت تحاول فيه إسرائيل فرض منطقة عازلة بالقوة، ويحاول حزب الله جعلها مكلفة وغير قابلة للاستقرار".
وفي الخلاصة، لا يبدو الجنوب اليوم أمام تسوية واضحة، ولا أمام حرب حاسمة. فإسرائيل تحاول فرض منطقة عازلة بالقوة وجعل العودة إلى القرى الحدودية شبه مستحيلة، فيما يعتمد "حزب الله" على المسيّرات وحرب الاستنزاف لمنع تثبيت هذا الواقع. وبين الطرفين، يبقى الجنوب هو من يدفع الثمن الأكبر: أرضٌ مدمَّرة، وسكانٌ مهجَّرون، وواقع أمني معلّق بين الحرب واللاستقرار.
لذلك، فإنّ المعادلة المقبلة لن تُحسم فقط بالنار أو بالمسيّرات، بل بقدرة لبنان على منع تحويل الجنوب إلى حزام أمني جديد، وبقدرته أيضاً على استعادة القرار والسيادة وحماية المواطنين قبل أي حسابات عسكرية أو تفاوضية. فالخطر الحقيقي ليس فقط في استمرار العمليّات، بل في أن يتحوّل الموقّت إلى دائم، وأن تصبح المنطقة العازلة واقعاً مفروضاً لا قراراً معلناً.





















































