نظريًا يُفضّل "حزب الله" لو يتوقّف القتال بشكل نهائي، وتُوقف إسرائيل هجماتها عليه وكل خروقاتها واعتداءاتها على لبنان، ونظريًا أيضًا تُفضّل إسرائيل لو تنتهي الحرب اليوم قبل الغد، ويتولّى الجيش اللبناني مهمة سحب سلاح "الحزب". لكن وبما أنّ الواقع الملموس يختلف عن الآمال النظريّة، وبما أنّ المعارك ستبقى قائمة في المدى المنظور في انتظار بلورة أساس للحلّ أو للتسوية بأقلّ تقدير، على الصعيدين المحلّي والإقليمي، تُوجد تفضيلات لكل من "حزب الله" وإسرائيل بشأن طبيعة المواجهة. فما هي هذه التفضيلات، وما الهدف من كل منها؟
بالنسبة إلى "الحزب"، الوضعيّة القتالية الأفضل له تتمثّل في إستنزاف قوّات الاحتلال الإسرائيلي بضربات وهجمات مباغتة، على أن تبقى محصورة في البقعة الجغرافية التي تحتلّها إسرائيل اليوم. فأي حرب مُوسّعة معها تعني عمليًا، نزوح مئات آلاف الأشخاص من منازلهم وأماكن عملهم ودراستهم مرّة أخرى، والتسبّب بمزيد من الدمار الشامل الذي يطال مختلف المناطق التي تُمثّل البيئة الحاضنة، وتعرّض مخازن ومواقع وأنفاق "الحزب" الخلفيّة وفي العمق للاستهداف والتدمير. في المقابل، تُمثّل معارك الاستنزاف المحصورة جغرافيًا والتي يُفضّلها "حزب الله"، الأسلوب الأكثر إيلامًا لإسرائيل، بسبب حجم الخسائر البشريّة الذي تُسبّبه لأفراد جيشها، ناهيك طبعًا عن الخسائر في الدبابات والآليات والمعدّات الحربية، علمًا أنّ القرى والبلدات التي تشملها العمليّات العسكرية للحزب صارت أصلًا مُدمّرة، إمّا بشكل كلّي أو جزئي، ما يحدّ من قدرة الإسرائيليّين على إلحاق ضرر كبير بمناصري "الحزب" عند قيامهم بالردّ على النار بالمثل.
في المقابل، وبالنسبة إلى إسرائيل، إنّ حصر المواجهة ضمن ما أسمته "الخط الأصفر" ومحيطه، يعني عمليًا إتاحة المجال للحزب لإلحاق الخسائر بعديدها وعتادها داخل الأراضي اللبنانيّة وبمحاذاتها، بموازاة تكبيل قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة في صفوف مقاتلي "الحزب" وبنيته التحتيّة، وتحجيم قدرتها على التسبّب بمآسٍ للشعب اللبناني كفيلة بإثارة النقمة على "الحزب"، ورفع الضغط على السُلطات الرسميّة اللبنانية. وبالتالي، الوضعية القتالية الأفضل لتل أبيب تتمثّل في توسيع نطاق الحرب إلى كامل الأراضي اللبنانيّة، لاستكمال مهمّة تدمير ما تبقّى من مخزون لدى "الحزب" من الصواريخ ومنصّات إطلاقها والمعدات العسكرية على اختلاف أنواعها، ولمواصلة تصفية أكبر عدد ممكن من كادراته وعناصره، بموازاة طبعًا إلحاق أكبر خسائر ممكنة بالبيئة الحاضنة له، وبالشعب اللبناني عمومًا، في إطار الضغط السياسي المُتصاعد على السُلطة الحاكمة في لبنان.
إشارة إلى أنّ "حزب الله" يستغلّ الوضعيّة القتالية السائدة حاليًا إلى أقصى قدر ممكن، وهو يسعى جاهدًا إلى الاستفادة من الضغوط اللاحقة بإسرائيل لمنع توسيع عمليّاتها العسكرية، بغضّ النظر أكان مصدرها أميركا أم إيران، لإلحاق أكبر قدر من الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، عبر التعويل في هذه الجولة القتالية الجديدة على المُسيّرات الصغيرة، وليس على الصواريخ. والسبب أنّ المُسيّرات التي يشنّ بها الهجمات هي من الحجم الصغير، وبالتالي يسهل حملها ونقلها وتمويهها، ويكفي ربط قذيفة صاروخيّة بها، وتوجيهها نحو الهدف، لإلحاق خسائر أكيدة، إن لم يكن في صفوف العسكريّين الإسرائيليّين فأقلّه في دبّاباتهم وآليّاتهم العسكرية ومراكزهم المُوَقّتة. يُذكر أنّ قسمًا كبيرًا من المُسيرات التي يستعملها "الحزب" تُقاد بتوجيه مباشر من مكان بعيد عبر ربطها بألياف بصرية وليس عبر البث اللاسلكي والتوجيه بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، الأمر الذي يحول دون تمكّن قوات الاحتلال من التشويش عليها، وإفشال إصابتها للهدف.
في المقابل، من الواضح أنّ إسرائيل بدأت في الأيّام القليلة الماضية سعيها للتنصّل من الضغوط المفروضة عليها، والعمل على توسيع هجماتها لتشمل مناطق بعيدة عن محيط المنطقة الحدودية التي تحتلّها. وهذا التوجّه آخذ بالتصاعد تدريجًا، حيث بدأت الغارات تشمل أخيرًا مناطق كانت في منأى عن الضربات بعد اتفاق وقف النار الذي جرى تمديده، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قرى وبلدات في قضاء صور وفي قضاء النبطية. ويُلاحظ عودة الإسرائيليّين إلى تكثيف الغارات، بموازاة توسيع دائرة الاستهدافات، وزيادة حدّة الهجمات وعنفها، مع اللجوء مُجدّدًا إلى سياسة الضغط النفسي عبر إصدار إنذارات إخلاء جَماعية. ومن الواضح أنّ الجيش الإسرائيلي لن يتفرّج طويلًا على المُسيرات وهي تستهدف قواته وآلياته، من دون أن يشمل ردّه كل مكان أو موقع مربوط بالعمق الإستراتيجي العائد إلى "حزب الله". والأهمّ مما سبق أنّ إسرائيل ترفض أن يُعيدها "حزب الله" إلى سياسة المعارك الموضوعية على خط الجبهة حصرًا، كما كان يحصل خلال فترة احتلالها السابقة للبنان، فهي عازمة على أن تردّ بشكل واسع وشامل على نيّة "الحزب" إعادة سياسة الاستنزاف.
وبحسب التوقّعات، إنّ المواجهة العسكريّة بين الإسرائيليّين و"الحزب" على قاب قوسين من التحوّل إلى حرب شاملة وواسعة من جديد، لأكثر من اعتبار، بدءًا بتعثّر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، ومرورًا بالخلافات السياسية داخل لبنان إزاء مسألة التفاوض مع إسرائيل، وُصولًا إلى عدم قدرة الأخيرة على تحمّل معارك استنزاف طويلة، من دون أن تكون قادرة على استعمال كامل قدراتها الهجومية للرد على الهجمات التي تتعرّض لها، في أي مكان تراه مناسبًا.
في الختام، ما لم تحصل قريبًا مفاجآت وخروقات إيجابية على مستوى خط التفاوض الأميركي–الإيراني، أو خط التفاوض اللبناني–الإسرائيلي، فإنّ تل ابيب ستتفلّت من القيود التي فُرضت عليها خلال الأسابيع القليلة الماضية، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر، ولنشهد جولة ضارية جديدة من الحرب التي لم تنته فُصولًا بعد!


















































