في وقت يمر فيه لبنان بواحدة من أخطر مراحل تاريخه الحديث، يبرز اسم رئيس مجلس النواب نبيه بري ليس فقط كقطب برلماني، بل كلاعب محوري يحاول الحفاظ على ما تبقى من خيوط تربط مؤسسات الدولة. ومع تشابك الأزمات الاقتصادية والسياسية، بات دوره يتركز اليوم حول "فن الممكن" في محاولة لتأمين حد أدنى من الاستمرارية المؤسساتية ومنع الانهيار الشامل في بلد يعيش على إيقاع الانقسامات.
ولطالما انطلق رئيس المجلس النيابي من قناعة يكررها في معظم لقاءاته، وهي أن النظام اللبناني، بطبيعته التعددية والمعقدة، لا يمكنه العمل ضمن جزر معزولة، وإن الشلل الذي يضرب المؤسسات ليس مجرد نتيجة خلافات عابرة، بل هو تعبير عن "أزمة ثقة" بنيوية. ومن هنا، يبرز نهجه القائم على "تقريب المسافات"، وهو ما تعكسه وساطاته المتكررة لفك عقد التعطيل، حيث يرى أن الحوار ليس خياراً ثانوياً، بل هو الأداة الوحيدة لمنع تحول التباين السياسي إلى صدام ميداني أو فراغ دستوري قاتل..
ولم يعد الشارع اللبناني اليوم هو نفسه الذي كان عليه قبل سنوات، ولقد تجاوزت تطلعات المواطنين فكرة "التعايش مع الأزمة". وهناك مطالبة صريحة بالانتقال من منطق "تقاسم الحصص" إلى منطق "المسؤولية الوطنية" ولم يعد المواطن اللبناني يرى في استمرارية المؤسسات نجاحاً ما لم تترجم هذه الاستمرارية إلى كهرباء، طبابة وقدرة شرائية. وهذا الضغط الشعبي يضع المجلس النيابي والحكومة وكل الطبقة السياسية أمام حقيقة جديدة وهي أن إعادة بناء الثقة تتطلب شفافية مطلقة ونتائج ملموسة، وليس فقط براعة في إدارة الأزمات.
ولا يمكن قراءة دور بري بمعزل عن التحديات الخارجية والداخلية الكبرى، وعلى رأسها قضية السلاح خارج إطار الدولة والحرب الإسرائيلية على لبنان. إذ يرى معارضو هذا الواقع أن وجود قوى موازية للدولة تعقّد مهمة أي وسيط سياسي، ويجعل من "التعاون بين السلطات" مجرد عملية تجميلية لواقع يفتقر إلى وحدة القرار السيادي. وهذه الديناميكية تضع جهود التنسيق الوطني أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن بناء دولة قوية وقرارها مشتت؟
إن النداء الذي يطلقه اللبنانيون اليوم يتجاوز الشخصيات والمناصب؛ إنه نداء من أجل فعل موحد، ينهي الركود القاتل ويضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار فئوي. فهل تنجح مساعي الحوار في خلق "خرق سيادي" حقيقي، أم أن حجم الأزمات بات أكبر من قدرة أي مهندس سياسي على الترميم؟ الإجابة ستحدد وجه لبنان للسنوات العشر القادمة.


















































