هوَ ​لبنان​ُ الجَبَلُ القُدسِيُّ.

الكِتابُ المُقَدَّسُ عَينُهُ يُطلِقُ عَلَيهِ الصِفَةَ في غَيرِ مَوقِعٍ ، مُسَمِيَّاً حَرَمونَ بِأكمَلِهِ بِإسمِ لبنانَ أو جَبَلِ لبنانَ، مِن بابِ تَسمِيَةِ الجُزءِ بِإسمِ الكُلِّ. كَما يُشيرُ بِتَسمِيَةِ لبنانَ الى سِلسِلَةِ جِبالِهِ الشَرقِيَّةِ كُلِّها.

وَهيَ ثالوثِيَّةُ فِكرٍ مُقَدَّسٍ كَرَّسَتهُ على ذَلِكَ.

المُؤَرِّخُ اليَهوديُّ الكَبيرُ יוסף בן מתתיהו הכה فلافيوسُ ​يوسيفوس​ُ (37-100) يُطلِقُ إسمَ "جَبلِ لبنانَ" عَلى حَرَمونَ، مُشيراً الى "أنَّ مَنابِعَ الأُردُنَ تَخرُجُ مِنهُ." قُلّ: لبنانُ هوَ "والِدُ الأُردُنَ" عَلى ما يَذكُرُ المُؤَرِّخُ والسيناتورُ الرومانِيُّ ​Publius Cornelius Tacitus​ (58-120).

وَدانيالُ الروسِيُّ، الهيغومانُ أيّ رَئيسُ أديرَةٍ روسِيَّةٍ، يُعلي لبنانَ هَكَذا وَيُحَدِّدُ قِوامَ قُدسِيَّتِهِ، ضِمنَ 13 مَخطوطَةٍ لِحَجِّهِ الى الأراضيَ المُقَدَّسَةِ (1106-1107)، شاءَها دَليلاً حَيَّاً لِلحَجِّ، طُبِعَ مُتَرجَماً مِنَ الروسِيَّةِ الى الفَرَنسِيَّةِ (جنيف 1889). يَذكُرُ: "مِنَ الجِهَةِ الأُخرى لِلبُحَيرَةِ (جِنيسارَتُ) مِن جِهَةِ الشَرقِ، يَرتَفِعُ جَبَلٌ عالٍ وَكَبيرٍ، مَكسوٍّ بِالثُلوجِ حَتَّى في فَصلِ الصَيفِ، وَإسمُهُ لبنانُ. وَهوَ يُنتِجُ البَخورَ والصَعتَرَ الأبيَضَ. وَمِنهُ يَجري 12 نَهراً، سِتَّهٌ مِنها تَتَّجِهُ الى الشَرقِ وَسِتَّةٌ أُخرى صَوبَ الجَنوبِ. هَذِهِ الأخيرَةُ تَصُبُّ في البُحَيرَةِ، والسِتَّةُ الأُخرى تَتَّجِهُ صَوبَ ​انطاكيا​ العُظمى. (...). وَهيَ تُغَذّي كَثيراً البُحَيرَةَ، الَتي يَخرُجُ مِنها نَهرٌ كَبيرٌ يَصُبُّ في بَحرِ (بُحَيرَةِ) طَبَرَيَّةَ (بَحرِ الجَليلِ)، وَيَزيدُ مِن حَجمِ مياهِ هَذا البَحرِ الَذي يَجري مِنهُ نَهرُ الأُردُنَ." وَيُعطي دانيالُ هَذا الجَبَلَ-لبنانَ مِعنىً أوسَعَ جُغرافِيَّاً، بِحَيثُ يَجعَلُهُ "يِمتَّدُ نَحوَ انطاكيا وَبِلادِ ما بَينَ النَهرَينِ لا سِيَّما مَدينَةَ حَرَّانَ." (مَوطِنَ إبراهيمَ بَعدَ هِجرَتِهِ مِن أورَ). قُلّ: هَذا تَحديدٌ سَبَقَهُ إلَيهِ مؤَرِّخونَ بيزَنطِيُّونَ أشاروا الى "أنَّ لبنانَ هوَ المِنطَقَةُ المأهولَةُ المُمتَّدَةُ مِن جِبالِ الأمانوسَ حَتَّى المَدينَةِ المُقَدَّسَةِ بِما فيها سَهلُ البِقاعِ."

والأبُ الفرَنسيسكانِيُّ ​Pierre Corcket​ في مُؤَلَّفِهِ الصادِرِ العامَ 1978: "لبنانُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ"، يَذكُرُ أنَّهُ "بَعدَ إنطِلاقِهِ مِن أورشَليمَ وَمُرورِهِ بِوادي نَهرِ الأُردُنَ، وَبَعدَ أن قَطَعَ سَهلَ أريحا، ظَهَرَ أمامَهُ بِوضوحٍ جَبَلُ حَرَمونَ المُكَلَّلُ بِالثُلوجِ. وَكانَ ذَلِكَ في شَهرِ آذارَ، وَكانَتِ الرؤيَةُ جَيِّدَةٌ جِدَّاً." وَيُضيفُ "أنَّ الأقسامَ الجَنوبِيَّةَ مِن جِبالِ جَنوبِ لبنانَ لَها أهَمِيَّتُها الدينِيَّةُ، لِأنَّها تَحفَظُ آثارَ أقدامِ المَسيحِ"، مُتَسائِلاً: "ألَيسَت أرضُ الميعادِ بِأكمَلِها إلَّا هِبَةً مِن لبنانَ، كَما أنَّ مِصرَ هيَ هِبَةٌ مِنَ النيلِ، عَلى حَدِّ قَولِ المُؤَرِّخِ هيرودوتَ...؟"

إستِحالَةُ العَدَمِ

هوَ لبنانُ القُدسِيُّ، مُكرٍّسُّ كِيانِيَّةِ الخَلاصِ، بِجُرأةٍ لا رياءَ فيهاِ، مِن قِبَلِ ثالوثِيَّةِ غَربٍ وَشَرقٍ. ثالوثِيَّةٌ: يَهودِيَّةٌ-رومانِيَّةٌ، أورثوذُكسِيَّةٌ-بيزَنطِيَّةٌ، كاثوليكِيَّةٌ-جامِعَةٌ-رسولِيَّةٌ.

هوَ لبنانُ القُدسِيُّ، إستِحالَةُ العَدَمِ، حَقيقَةُ الكيانِيَّةِ. كُلُّ ما سِواهُ، ظَهوراتُ تَعاسَةٍ، غُموضٍ، ضَياعٍ. في الثَباتِ ذُهولُهُ، وَفي التَلَّهي تَتالي فُصولِها، تِلكَ الظَهوراتُ الهارِبَةُ مِن ذاتِيَّتِها الى جُبنِ الجَبَروتِ والبأسِ والفُجورِ. في جَلالِهِ أثَرُهُ، وَفي بؤسِها عَدَمِيَّتُها السَحيقَةُ.

هوَ لبنانُ-الجَبَلُ، لبنانُ القُدسِيُّ، رَكيزَةُ الإيمانِ... ألْغَدا نَقصَ الكيانِيَّاتِ. وَهوَ الإيمانُ ذَخيرَةُ جَسارَتِهِ.

مِنَ الأعماقِ طَلَّتُهُ، وإلَيها طَلعَتُهُ. وَهوَ بِلا موارَبَةٍ يُعيدُ الزَمانَ والمَكانَ الى تَهليلِ الرُسوخِ في وِحدَةِ الوجودِ بِالجَوهَرِ والجَوهَرُ بِالوجودِ. بَل هوَ الوجودُ الكامِلُ في كامِلِ الجَوهَرِ لِكامِلِ الجَوهَرِ.

قُلتُ: هوَ إستِحالَةُ العَدَمِ؟

ها لِغَزارَةِ النَقاءِ مَطالِعُهُ، وَبَينَ الأحياءِ مُستَقَرُّهُ. مِلؤهُ أنَّهُ إحاطَةُ الماهِيَّةِ. القِمَّةُ اللامُتَناهِيَةُ...