إهدِنُ قَديمَةٌ، قِدَمَ الخَليقَةِ.

لَيسَ في الأمرِ غَرابَةً، فَهي الإسمُ والمَوقِعُ، الزَمانُ والمَكانُ. آباءُ السِريانِيَّةِ أطلَقوا عَلَيها إسمَ "عَدن"، هيَ المُعَلَّقَةُ فَوقَ، عَلى قِمَّةٍ، وَسطَ حَنيَةِ جَبَلِ لبنانَ الشِمالِيَّ وَقَد دُعِيَت "عَدِنَ تشيلاسارَ" أيّ جَنَّةَ الدائِرَةِ.

الطوباوِيُّ البَطرِيَركُ العَلَّامَةُ إسطِفانُ الدويَهي يَخلُصُ أنَّها الفِردَوسُ. وَهوَ ما ذَهَبَت إلَيهِ ثالوثِيَّةُ كِبارِ المُستَشرِقينَ: عالِمُ اللاهوتِ الألمانيُّ Ernst Friedrich Karl Rosenmüller، والدِبلوماسِيُّ عالِمُ الُلغاتِ الشَرقِيَّةِ الفَرَنسِيُّ Clément Huart، والدِبلوماسِيُّ الرَحَّالَةُ الكاتِبُ البريطانِيُّ David Urquhart، مَن في كِتاباتِهِمِ: إهدِنُ هيَ الفِردَوسُ الأرضِيُّ'eden-.

إهدِنُ قَديمَةٌ، قِدَمَ الخَلقِ.

في الإرتِقاءِ إلَيها، وَهيَ القِمَّةُ، حَقيقَةُ الكِتابِ المُقَدَّسِ أبلَغُ بَعدُ. هيَ حاضِنَةُ أرزِ لبنانَ... وأكثَرَ. هوَذا تَوكيدُ حَزقيالَ: "أرزَةٌ بِلبنانَ بَهيجَةُ الأفنانِ وارِفَةُ الظِلِّ شامِخَةُ القامَةِ وَقَد كانَت ذُروَتُها بَينَ الغُيومِ. (...). في أغصانِها عَشَّشَت جَميعُ طُيورِ السَماءِ، وَتَحتَ فُروعِها ولِدَت جَميعُ حَيواناتِ الحُقولِ، وَفي ظِلِّها سَكَنَت جَميعُ الأُمَمِ الكَثيرَةِ. (...). السَروُ لَم يُشابِه أغصانَها والدِلبُ لَم يَكُن كَفُروعِها. كُلُّ شَجَرٍ في جَنَّةِ اللهِ لَم يُشابِهُها في بَهجَتِهِ. فَإنّي صَنَعتُها بَهيجَةً بِكَثرَةِ أغصانِها فَغارَت مِنها جَميعُ أشجارِ عَدِنَ الَتي في جَنَّةِ اللهِ." (حَزقِيالُ 31/3-9). هَكَذا يَقولُ اللهُ، الخالِقُ وَسَيِّدُ الخَليقَةِ.

هيَ عَدِنُهُ، وَهيَ مَنبَعُ الخَلاصِ.

"فَتَعَزَّى في الأرضِ السُفلى جَميعُ أشجارِ عَدِنَ، نُخبَةُ لبنانَ وَخِيارُهُ، كُلُّ مُسقِيٍّ بِالماءِ. (...). وَكَذَلِكَ أنصارِها الساكِنونَ في ظِلِّها في وَسَطِ الأُمَمِ." (حَزقِيالُ 31/16-17)... وَوَحدَهُ أرزُ لبنانَ هوَ غَرسُ الرَبِّ في عَدِنَهِ: "تَشبَعُ أَشجارُ الرَبِّ، أَرزُ لبنانَ الذي غَرَسَهُ." (مَزمورُ 104/16). أوَلَيسَ المَلِكُ الآرامِيُّ السِريانِيُّ هَذَرَ عَذَار(إبنُ رَحوبَ) مَن حَكَمَ لبنانَ مِن وادي البِقاعِ الى سوريا حَتَّى حَماةَ وَحِمصَ وَنَهرِ الفُراتِ إلى عَمونَ (عَمَّانَ) والجولانَ، وَخاضَ المُقاوَماتِ الكُبرى ضِدَّ عُدوانِ المَلِكِ داودَ (سِفرُ صَموئيلَ الثاني، وَسِفرُ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّلُ)، هوَ مَن أقامَ نَحوَ العامِ 2939 (نَحوَ 850 قَبلَ المَسيحِ) نُصُباً لِلإلَهِ الأبِ الفينيقيِّ-الُلبنانِيِّ تَحتَ إسمِ نُصُبِ لبنانَ، عَلى الشيرِ المَخروقِ (اليومَ، بابُ الهَوا)، فيها تِلكَ الإهدِنَ-عَدِنَ، لِيَسجُدَ لَهُ جَميعُ سُكَّانِ لبنانَ وَقِمَمِهِ؟

المُضاءُ المَصيرُ

هيَ الإهدِنُ-لبنانُ.

كُلُّ خَيارٍ سِواها إرتِطامٌ في المَفقودِ، إذ هيَ الفَردَوسُ المَعلومُ. هيَ الدافِعُ المُبَلسِمُ الجُروحَ حينَ الإرتِطامُ هوَ التَلاغيُ الطاغيُ.

الماضيُ فيها، حاضِرٌ حاكِمٌ وَمُستَقبَلٌ حَكَمٌ بِوَجهِ فَناءِ التَواريَ في التَواريخِ.

هيَ فَوقَهُ.

لبنانُ-الإهدِنُ.

هوَ المُضاءُ المَصيرُ.

مِن ذاكِرَةِ القُدسيِّ الى رَصفِ المُقَدَّسِ، بِوَجهِ الضَلالَةِ، بِوَجهِ تَنافُرِ التَباعُدِ، بِوَجهِ إستِفحالِ الرَفضِ إيذاناً بِمَن يَغدو شَريدَ الأُلوهَةِ.

لا! لَيسَ لبنانُ-إهدِنُ شَريدَ الوَجَعِ بِسَبَبِ التَمَزُّقِ، كَما لَيسَت إهدِنُ-لبنانُ شَريدَةَ التَفَرُّقِ بِسَبَبِ القُنوطِ. في وِحدَتِهِما إتِّحادُ العُمقِ بِالإخلاصِ، إفتِقادُ الشَجاعَةِ بِالعَدلِ، رِضاءُ الحِكمَةِ.

المَصيرُ المُضاءُ، ألَيسَ لِمَن بَلغَ من الفِردَوسِ مَساراً مِنَ الصُمودِ مَبلَغاً؟

تِلكَ البُطولَةُ-الفِردَوسِيَّةُ الحَقُّ: أن تَكونَ القَلبَ، حينَ العَقلُ قِمَّةٌ: حينَ تٌعطى مِن فَوقٍ ما هوَ الفَوقُ لِلفَوقِ. سَعيُها، تَواصُلُ الدَيمومَةِ.

لبنانُ وإهدِنُهُ فِردَوسُ الإلتِزامِ هَذا. في تَراصِّ الإرادَةِ وَثَباتِ الزَمَنِيَّاتِ. مُقيمٌ هوَ في التَضحِياتِ، في أعلى قِمَّتِهِ، لِكُلِّ قِمَمِهِ، وَكُلُّها في وِحدَةٍ. هوَ الجَوهَرُ-العِصمَةُ، وَسِرُّهُ أنَّهُ هَذا التَحَدّي المُعطى لَهُ لِيَبقى حُرِيَّةَ أبناءِ الفِردَوسِ... المُنبَثِقينَ مِنهُ، مِن ظِلالِهِ، إنبِساطاً الى الأقصى.