قبل سنوات قليلة فقط، كان المسؤولون الإيرانيون يتفاخرون بأن نفوذهم الإقليمي يشمل العديد من دول المنطقة، بفعل جماعات مسلحة موالية للنظام الإيراني تنشط داخل كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن والأراضي الفلسطينية. لكن هذا الأمر صار حاليًا موضع شك، بعد التغييرات الكبرى التي شهدتها المنطقة وتشهدها، على الرغم من محاولات إيران المستميتة للاحتفاظ بنفوذها في أكثر من ساحة. ويتردد خلف الكواليس أن هناك حاليًا معركة سرية للقضاء على ما يُطلق عليه اسم "أذرع إيران"، بفعل تقاطع على مستوى المصالح بين أكثر من جهة إقليمية ودولية. ماذا في التفاصيل؟
في سوريا، كان نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، الذي سانده "الحرس الثوري الإيراني" و"حزب الله" بشكل مباشر خلال الحرب السورية الأخيرة، يمثل ورقة ضغط مهمة استفادت منها طهران أكثر من دمشق، في تعاملها مع واشنطن والعالم الغربي ككل. لكن هذه الورقة تبخرت كليًا مع سقوط نظام الأسد، إضافة إلى فقدان إيران الخط البري لتوريد الإمدادات من طهران وصولًا إلى بيروت. وليس بسرّ أن تركيا لعبت دورًا حاسمًا في تدريب وتسليح وتوحيد جماعات عدة تحت عباءة الرئيس أحمد الشرع، الذي نقل سياسة سوريا العامة من مكان إلى آخر مختلف تمامًا.
في لبنان، كان "حزب الله" يمثل رأس حربة عسكرية بالغة القوة تقف على أعتاب الحدود الإسرائيلية الشمالية، وكان نفوذ "الحزب" طاغيًا داخل السلطة اللبنانية الرسمية، الأمر الذي منح إيران في السنوات السابقة ورقة ضغط فائقة الأهمية، لوّحت بها مرارًا خلال نزاعها السياسي المفتوح مع الولايات المتحدة الأميركية ومع حليفتها الإقليمية الرئيسية، أي إسرائيل. لكن بعد المواجهات الشرسة المتتالية بين الجيش الإسرائيلي وعناصر "حزب الله" اعتبارًا من نهاية العام 2023 حتى اليوم، والتي قلبت موازين القوى على الأرض، وكذلك بعد التحول على مستوى تركيبة أركان الحكم في لبنان والتوجهات السياسية للحكومة، صارت هذه الورقة ضعيفة بنسبة كبيرة. ولذلك تتشدد طهران إزاء الملف اللبناني، وتحرص على إدراجه في أي مفاوضات مع واشنطن، بغرض عدم فقدان هذه الورقة البالغة الأهمية لها.
في العراق، كان النفوذ الإيراني في بغداد لا يقل أهمية عن ذاك في بيروت ودمشق، من خلال فصائل "الحشد الشعبي" والقوى الحزبية والسياسية المسلحة الأخرى المقربة من طهران، والتي كانت قد تشكلت بعد إسقاط الجيش الأميركي نظام الرئيس العراقي صدام حسين في العام 2003، في مفارقة ما زالت حتى اليوم عرضة للتقييم وحتى للانتقاد، حيث يعتبرها الكثير من المحللين إحدى أكثر الأخطاء الأميركية فداحة على مستوى سياستها المعتمدة في الشرق الأوسط. وفي كل الأحوال، ما يجري حاليًا في العراق، لجهة استكمال واشنطن إخلاء قواعدها العسكرية هناك، بموازاة قرار كبير متخذ من قبل رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي بسحب كل السلاح غير الشرعي، يشكل تحولًا جذريًا في تموضع العراق السياسي. وبالتالي، في حال تحركت الشرعية العراقية بشكل جدي ضد الجماعات المسلحة الموالية تمامًا لطهران، ستخسر هذه الأخيرة ورقة أخرى مهمة كانت بيدها حتى الأمس القريب، علمًا أن ضغوطًا كبيرة تُمارس على حكومة بغداد داخليًا وإقليميًا للتخلي عن المهل السابقة التي كانت حُددت لتسليم السلاح طوعًا.
في الأراضي الفلسطينية، وعلى الرغم من بعض التباينات الدينية والعقائدية بين إيران من جهة، وحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" من جهة أخرى، تقاطعت مصالح هذه الفصائل مع مصالح طهران في المرحلة الماضية، وقد عمدت إيران إلى مدّهما بالسلاح والمال، وتوظيف نفوذها هناك لتهديد الأمن الإسرائيلي. لكن بعد الهجوم الإسرائيلي الكاسح على قطاع غزة، ردًا على معركة "طوفان الأقصى"، خسرت إيران هذه الورقة بفعل تبدل موازين القوى على الأرض لصالح تل أبيب.
وحده اليمن يشكل استثناءً حتى إشعار آخر، لأنه على الرغم من الضربات المتكررة التي تعرضت لها جماعة "أنصار الله" بفعل غارات متباعدة زمنيًا نفذها الطيران الأميركي والإسرائيلي والسعودي في السنوات الماضية، وعلى الرغم من الحصار الأمني المفروض عليها، فإن قدرة هذه الجماعة المعروفة باسم "الحوثيين" ضعفت نسبيًا لكنها بقيت قائمة. وكانت إيران قد عمدت على مدى سنوات إلى تقديم دعم كبير لجماعة "أنصار الله"، على صعد السلاح والمال والتدريب وغيرها من المجالات، الأمر الذي جعل هذه الجماعة ورقة ضغط بالغة الأهمية بيد طهران، بفعل موقع اليمن الجغرافي المؤثر على ممرات "باب المندب" البحرية، والمجاور في جزء من حدوده للسعودية. وقد استغلت طهران هذا الأمر لتصفية الكثير من الحسابات مع واشنطن والرياض على حد سواء، وهي سياسة ما زالت متبعة حتى اليوم. وفي انتظار وضوح صورة المعارك الدائرة في اليمن حاليًا، تبقى الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، علمًا أن توسع الصراع من جديد ليشمل السعودية بعد فترة طويلة من الهدوء، وتحرك العديد من الدول لدعم الرياض ردًا على ذلك، يؤكد أن المعركة ليست يمنية داخلية بل إقليمية–دولية.
في الختام، لا شك أن ما يجري ضد "أذرع إيران" يمثل تحولًا في موازين القوى الإقليمية، وإن كان يبدو في الظاهر مجرد قضايا وصراعات منفصلة بعضها عن بعض. ومعركة القضاء على نفوذ هذه الجماعات المسلحة الموالية لطهران تتقاطع مع معركة إضعاف نظام الحكم في طهران، التي تتولاها واشنطن بنفسها. وكلتاهما تصبان في خانة تحضير الأرضية للشرق الأوسط الجديد، بشرط أن تنجح هاتان المعركتان بشكل حاسم، وهو ما لم يحصل حتى تاريخه، حيث تواصل طهران الدفاع عن نظامها الحاكم، وعن نفوذها في الشرق الأوسط، وعن أذرعها الإقليمية، بكل ما أوتيت به من قوة ومن وسائل.
























































