لم يجد ​اتفاق الإطار​ بعد الصيغة الملائمة ليعترف به أحد بشكل علني، فهو منذ ولادته كان هجينًا ومخلوقًا عجيبًا. إلا أن رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ تولى الدفاع عنه واعتباره "أفضل الممكن" والسبيل الوحيد للخلاص. وما إن ظهر هذا الاتفاق حتى كان لغط حول الاسم، فمنهم من اعتبره اتفاقًا، ومنهم من فضّل إطلاق اسم "صيغة إطار"، ومنهم من رأى أنه "تسوية"... وحين لم تنجح المرادفات القانونية في تجميله، تم الاتفاق مجددًا على عبارة "اتفاق الإطار". ما الذي تغيّر في الآونة الأخيرة، ولماذا بات هذا الاتفاق عبئًا على الجميع، وأُغلقت الأبواب والمنافذ أمامه؟

في اليومين الماضيين، بدا وكأن اتفاق الإطار قد أضاع البوصلة ولم يعد هناك من ملجأ له. فبعد المقال الذي نشره ​جان عزيز​، مستشار رئيس الجمهورية، في موقع أميركي، بات السؤال كبيرًا جدًا عمن سيدافع بعد عن هذا الاتفاق. صحيح أنه قيل الكثير عن المقال وتفسيره، وكان هناك أيضًا رأي مضاد. وحرصًا على عدم تبني وجهة نظر أي من التفسيرين، فإن الواقع والمنطق يشيران إلى أن صدور كلام مماثل عن شخص له موقعه المعنوي (ولو أنه غير رسمي)، وقريب بهذا القدر من رئيس الجمهورية (بمعنى أنه يمكن القول إنه يعبّر عن سياسته وفكره ورؤيته)، يقود إلى اعتبار أن هذا الموقف رسمي إلى حد كبير. ولا يمكن لرئاسة الجمهورية أو لمكتب الإعلام أو أي مصدر يمتّ إلى هذه المؤسسة، أن ينفي ما قيل، لأنه معروف المصدر ويحمل توقيعًا صريحًا، وقد تم نشره من دون أي اعتراض أو توضيح من الكاتب المعني.

في المبدأ، لم يأتِ في المقال ما يناقض ما يقوله الرئيس عون يوميًا، لجهة انسحاب ​إسرائيل​ ومساعدة ​أميركا​ للضغط عليها لتنفيذ ذلك. ولكن عند التوقف عند بعض ما جاء فيه، يلفت بسرعة إلى أنه يحمل تشكيكًا ببنوده لجهة عدم القدرة على تنفيذها من جهة، ومخاوف من أن تتحول في وقت لاحق إلى تبرير للوجود الإسرائيلي الاحتلالي لمناطق ​لبنان​ية، من جهة ثانية. والأهم، إعطاء دفعة قوية ل​حزب الله​ للاستمرار وتقوية وجوده على الساحة. وهذا الأمر، إن دلّ على شيء، فعلى أن الداعمين الأولين للاتفاق يرون فيه (أو باتوا يرون فيه) معضلة أساسية قد لا يسهل حلها، و"ورطة" كبيرة يصعب الخروج منها. هنا تكمن المشكلة، لأن رئيس الجمهورية لا يزال مقتنعًا، وفق كلامه ومواقفه، بأن الاتفاق هو المرجع الصالح لحل الأزمة اللبنانية، حتى إنه وصل إلى حد اعتباره المسار السليم لإنهاء حالة العداء مع إسرائيل. إلا أن كلام مستشاره يحذّر من إمكانية أن يكون هذا الاتفاق هو نفسه السبب في عودة لبنان إلى الوراء أكثر من 40 عامًا، وإلى الاعتماد على "​كرم أخلاق​" الإسرائيليين لتحقيق المصالح اللبنانية!

ليس الهدف مهاجمة اتفاق الإطار، ولا الدفاع عنه، فهناك من يقوم بهذه المهمة بشكل يومي. ولكن لا بد من التوقف والتفكير فيما حققه منذ إبصاره النور وحتى اليوم. وهذا ما دفع إلى رفع الصوت والتحذير من أن فشل التنفيذ سينعكس نجاحًا لحزب الله. وما لم يُقل بعدها مباشرة، هو أن نجاح حزب الله يعني حكمًا فشل رهان الرئيس عون وفريق عمله، والحكومة والدولة بقراراتها التي اتخذتها، وشريحة من المجتمع اللبناني أعلنت بشكل مبكر انتصارها في رؤيتها السياسية... ما يعني أيضًا وأيضًا، أن كل ما حصل كان "هبة مجانية" لإسرائيل للتدمير والقتل والتهجير والنسف والاحتلال، من دون الحق في المقاومة. وهنا تشديد على كلمة الحق، لأن المقاومة، وللأسف، لم تنجح في فرض مفهومها وتوازن الردع الذي لطالما تحدثت عنه، فكان البديل ما وصلنا إليه اليوم.

من يملك البديل؟ سؤال يتردد على لسان البعض من حين إلى آخر، والجواب هو أنه حاليًا أصبح البحث عن بدائل كمن يحاول أن يغطي السماوات بالقبوات. وبات سقوط الاتفاق "مصيبة"، وبقاؤه على وضعه الحالي "كارثة". أما الحل بعد أن تبرّأ منه الجميع، فهو في انتظار "​معجزة​" قد تظهر في ​الانتخابات الأميركية​ (النصفية) والإسرائيلية (التشريعية)، أو في مرحلة الاتفاق الأميركي–الإيراني، أو في التسوية التي يبحث عنها الخليجيون لضمان أمنهم واستقرارهم... أما الاعتماد على اتفاق الإطار بحد ذاته، فهو، وللأسف، كحظوظ إبليس في الجنة.