نشر موقع "فاينانشال تايمز" مقالا للصحافي ​جانان غانش​ بعنوان "الغرب لا يعاني مشكلة في القيادة"، اعتبر فيه ان المشكلة في الغرب ليست في القادة الذين يتغيرون، بل في توقعات الناخبين الذين اعتادوا الرفاهية والعيش بسلام، فيما تبدلت الأوضاع بشكل سريع. وفي ما يلي ترجمة المقال وفق صحيفة "النشرة" الالكترونية:

"ها نحن نعود من جديد. يرحل زعيم مكروه ليحل محله آخر يسجّل مستويات قياسية جديدة من عدم الشعبية، فتبدأ التكهنات حول تغيير آخر في القمة، لان تغيير الشخص أسهل من التشكيك في مدى قابلية المهمة نفسها للإنجاز. البلد المعني هنا هو ​ألمانيا​ بالطبع، لكن الأمر ينطبق أيضًا على ​بريطانيا​ و​الولايات المتحدة​ وغيرها...

يمكن للمستشار الألماني ​فريدريك ميرتس​ أن يعزّي نفسه بأن نظيره في باريس لا يحظى بشعبية هو الآخر. وكذلك كان حال الرئيسين الفرنسيين السابقين، اللذين فشلا حتى في الفوز بولاية ثانية. ولم يتمكن أي من القادة الأميركيين الخمسة الأخيرين، مع احتساب ​دونالد ترامب​ مرتين، من تحقيق متوسط تأييد بلغ 50 في المئة، بينما تجاوزت هذه النسبة القادة الثلاثة الذين سبقوهم.

أما بريطانيا، فمنذ 2016 لم تسلم من عدم الشعبية. حكومات يقودها رجال ونساء، شباب وشيوخ، محافظون وعماليون، شماليون وجنوبيون. وقبل ذلك، لم يكن غريباً أن يحكم رئيس وزراء لعقد كامل. وفي إيطاليا، حتى ​جورجيا ميلوني​، التي تعتبر زعيمة إيطاليا "الشعبية"، خسرت استفتاء دستورياً، كما استفادت من أموال ​الاتحاد الأوروبي​ لتخفيف وطأة إصلاحاتها الداخلية. امام هذا الواقع، هناك احتمالان: إما أن جودة قادة الدول الكبرى تراجعت في الفترة نفسها تقريباً، أو أن الناخبين أصبحوا أصعب إرضاء.

الغرب لا يعاني مشكلة في القيادة، فمن الصعب إثبات أن رؤساء الحكومات اليوم بشكل عام، أدنى مستوى من أسلافهم في القرن العشرين. صحيح أن بعض النتائج كانت سيئة، مثل السيطرة على الهجرة، فيما تحسنت أخرى، مثل تراجع معدلات الجريمة. لكن أياً من القادة الحاليين لم يخض حرباً تجنيدية خاسرة، كما فعل ليندون جونسون، أو يشهد خفضاً لقيمة العملة، كما حدث مع هارولد ويلسون. وقد يكون صحيحاً أن الحروب العالمية أكسبت قادة الماضي قدراً من الجدية نفتقده اليوم، لكن الأمر نفسه ينطبق على الشعب.

ما يعانيه الغرب هو مشكلة في الناخبين، فهم يرفضون السياسات، إذا كان عليهم دفع الكلفة، والنتيجة: مستويات ضخمة من الدين الحكومي، فيما يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للتمويل، كما أن أي زعيم يحاول معالجة هذه المشكلة أو غيرها يتعرض لعقاب سياسي قاسٍ.

في هذا العقد وحده، كانت سياسات عدة كفيلة بإغراق قادة سياسيين في عدم الشعبية: رفع سن التقاعد في فرنسا إلى 64 عاماً، وخفض إعانات وقود الشتاء في بريطانيا بما قيمته 1.4 مليار جنيه إسترليني سنوياً. وليس الأمر تقشفاً على الطريقة اليونانية، بل حتى إجراءات توفير محدودة ومتحفظة تثير تمرد الناخبين.

وأسرع طريقة لإنقاذ ولاية المستشار الألماني هي التخلي عن إصلاحات الرعاية الصحية والتقاعد وما شابهها، لكن ذلك سيكون أمرًا لا يمكن تبريره. وبالمثل، قد تكون أفضل فرصة لآندي برنهام للفوز بالانتخابات البريطانية المقبلة، تجنب أي تشديد مالي، لكن ذلك سيكون إهمالاً لمسؤوليته. وهكذا تبدو الخيارات غالباً محصورة بين الانتحار السياسي والتخلي عن المسؤولية. أما فكرة أن الإصلاحات يمكن أن تنجح إذا شرحها القادة بصورة أفضل و"أشركوا الناس فيها"، فهي كلام مثالي يصلح للشعارات فقط، فالناخبون خارج أوقات الأزمات، يصرون على رفض الإصلاحات.

لا مشكلة في القول إن توقعات الناخبين ارتفعت. وإذا كان في نظرية "عدم القابلية للحكم" سيئة، فلآنها تنظر إلى بريطانيا بمعزل عن غيرها من الدول التي تعاني المشكلة نفسها.

ربما كان ميرتس أصلاً المستشار الخطأ: متعالياً، وثرياً، ومرتبطاً بعالم الشركات. لكن ​أولاف شولتس​، المختلف عنه في الخلفية والأسلوب والانتماء السياسي، لم يكن الحل أيضاً. أما ​أنجيلا ميركل​، التي بدت الزعيمة المناسبة، فقد يعود نجاحها إلى تجنبها الإصلاحات، ولذلك تبدو اليوم، بأثر رجعي، نموذجاً للخطأ. ​غيرهارد شرودر​ كان أكثر جرأة، وأجرى إصلاحات اقتصادية لم يكن مضطراً لها، ودفع ثمنها بمنصبه. فأيهما أرجح: أن تكون ألمانيا قد أُديرت على يد حمقى منذ هيلموت كول، أم أن متطلبات المنصب أصبحت أصعب؟

إن الحنين الحالي إلى ​شارل ديغول​ ممتع، لكنه يعزز فكرة أن القادة كانوا أفضل في الماضي. ربما كان ذلك صحيحاً في حالته، لكنه كان يتعامل مع ناخبين أكثر احتراماً للسلطة، شكّلتهم الحروب العالمية والحرمان المادي الذي أعقبها. وحتى الاقتراع العام للرجال والنساء كان آنذاك حديث العهد.

تخيلوا إذن مأزق القائد الحديث: عليه إرضاء جمهور أمضى ثلاثة أو أربعة أجيال في ظل دولة الرفاه والسلام العالمي.

فلا تنفقوا كثيراً من الجهد على محنة ميرتس. سنشهد هذا المشهد مرة أخرى قريباً.