منذ أسابيع، تُطرح في العديد من الأوساط اللبنانية الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانت عودة الحرب أمرًا محسومًا. فهناك من ذهب إلى وضع مواعيد قاطعة ترتبط بالاستحقاقات الانتخابية في تل أبيب وواشنطن، إلا أن الأبرز كان الرهان على حصول تبدلات في الفترة المقبلة، انطلاقًا من احتمال خسارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبالتالي فتح الباب أمام تسويات كبرى على مستوى المنطقة.
على المستوى الإقليمي، لا يمكن إنكار أن العديد من الجهات الفاعلة تعلق الآمال على مثل هذا التحول، على قاعدة أن نتنياهو لا يمكن الذهاب معه إلى أي تسوية. ولذلك برز الحديث عن أن الواقع في ظل حكومة إسرائيلية برئاسة غادي آيزنكوت، على سبيل المثال، سيكون مختلفًا في حال تمكن الائتلاف الداعم له من الفوز بالأغلبية التي تسمح له بتشكيل الحكومة المقبلة في تل أبيب.
في هذا الإطار، من الضروري الإشارة إلى أن نتنياهو سعى إلى خوض الانتخابات وفق برنامج يقوم على زيادة المخاوف من أعداء إسرائيل في المنطقة، أي بالاعتماد على التهديدات الأمنية والعسكرية. في حين سعى معارضوه إلى التركيز على الإخفاقات التي رافقت ولايته الأخيرة، تحديدًا تلك المرتبطة بعملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول من العام 2023، بالإضافة إلى الاتهامات بالفساد التي تُوجه إليه.
في مطلق الأحوال، ستكون الانتخابات في تل أبيب محطة لها ما بعدها من تحديات على المستوى الداخلي، خصوصًا على مستوى القدرة على تشكيل الحكومة. في ظل الكثير من التسريبات التي تشير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد أن يضمن موقعًا مقررًا فيها لنتنياهو في العامين المقبلين على الأقل، بغض النظر عن النتائج. لكن الواقع على المستوى اللبناني يبدو مختلفًا كليًا.
في هذا المجال، تذهب أوساط سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى التشديد على أن هناك مجموعة من النقاط التي لن تتبدل مهما كان التوجه الإسرائيلي بعد انتخابات الكنيست. حيث البداية من معادلة المناطق العازلة، التي لم يعد من الوارد التراجع عنها بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية في تل أبيب، بالإضافة إلى الإصرار على معالجة ملف سلاح "حزب الله" بشكل نهائي، سواء من خلال تسوية مع بيروت أو عبر إجراءات تقوم بها إسرائيل نفسها.
هنا، تشير الأوساط نفسها إلى أنه على عكس ما يتوقع البعض، لا توجد مؤشرات كافية تسمح بافتراض أن وصول بديل عن نتنياهو سيؤدي تلقائيًا إلى سياسة أكثر مرونة تجاه لبنان. نظرًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لديه ما يمكن وصفه بـ"شرعية الإنجازات العسكرية" التي نجح في تحقيقها، في حين سيواجه أي رئيس جديد للوزراء تحدي إثبات أنه ليس أقل كفاءة منه. وبالتالي لا يمكن توقع أن يبادر إلى تقديم أي تنازلات، خصوصًا في الملفات المرتبطة بكل من فلسطين ولبنان وسوريا وإيران.
بالإضافة إلى ما تقدّم، من الضروري الإشارة إلى أن تل أبيب، بغض النظر عن هوية رئيس الوزراء المقبل، لا يمكن أن تكون بعيدة عن السياسات الأميركية في المنطقة. حيث يبقى الأساس أنها ستكون مرتبطة بالاستراتيجية التي يتبناها ترامب، الذي، بالرغم من دعمه العلني لنتنياهو في الانتخابات، من المستبعد أن يواجه أي عقبة في التعاون في حال قادت الانتخابات إلى وصول شخصية أخرى.
بالنسبة إلى الأوساط السياسية المتابعة، هناك تحديات أخرى على مستوى مختلف من الأهمية، مرتبطة تحديدًا بالعناوين التي هي أدنى من التسوية الشاملة التي تبقى مرتبطة بالمسار الأميركي–الإيراني. أبرزها ملف القوات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل"، حيث تشير إلى أن هذا الملف يبقى دون حل عملي بالرغم من اقتراب موعد انتهاء ولايتها، في حين لم يعد سرًا أن هناك خطوطًا حمراء موضوعة من الجانب الأميركي قبل الإسرائيلي.
بالإضافة إلى ذلك، تلفت الأوساط نفسها إلى مسألة العلاقة مع واشنطن نفسها، التي لا تبدو في وارد التراجع عن مسار الضغوط التي تفرضها على بيروت، بالنسبة إلى كيفية التعامل مع ملف "حزب الله". وهو ما يحظى بتفاهمات أوسع مع العديد من الجهات الدولية والإقليمية الأخرى، إلى جانب تأييده من قبل مروحة واسعة من الأفرقاء اللبنانيين، نظرًا إلى ارتباطه بالتوازنات المستقبلية على مستوى المنطقة.
في المحصلة، لا تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية، بالنسبة إلى لبنان، في هوية رئيس الحكومة المقبل وحدها، بل في مدى استعداد حكومته لتعديل الشروط التي تربط بها الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وفي طبيعة الضمانات الأمنية التي يمكن أن تقبل بها. فخسارة نتنياهو لا تعني بالضرورة فتح الطريق أمام تسوية، كما أن استمراره لا يجعل التسوية مستحيلة حكمًا. وبين الاحتمالين، تبقى العبرة في المواقف التي ستُترجم إلى قرارات عملية بشأن الانسحاب، ووقف الاعتداءات، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، ومستقبل الترتيبات الدولية في الجنوب.






















































