من إعلان 66 مليون دولار إلى اعتماد سكني يقارب 23.7 مليونًا في مشروع موازنة 2027: أزمة السكن اللبنانية أكبر من أن يعالجها قرض محدود أو سوق تفتقر إلى الشفافية.
في سوق العقارات اللبنانية مفارقة لا تبدو منطقية للوهلة الأولى: أسعار العقارات بالدولار بقيت، وفق تقييم البنك الدولي، أدنى بنحو 50 في المئة من مستويات ما قبل تشرين الأول 2019، ومع ذلك لم يصبح شراء منزل في متناول شريحة أوسع من اللبنانيين. فالقدرة على التملّك لا تُقاس بسعر الشقة وحده، وإنما بالدخل المتاح، وإمكان الحصول على تمويل، والدفعة الأولى، وكلفة الاقتراض، واستقرار العملة التي يُسعّر بها العقار وتُسدّد بها الالتزامات.
ما انهار في لبنان لم يكن سعر العقار فحسب، بل الوسيلة التي كانت تسمح للأسرة بتحويل دخلها الشهري إلى ملكية على مدى سنوات. فقد فقدت المصارف قدرتها على تقديم التمويل السكني التقليدي، وتوقفت القروض المدعومة، فيما تآكلت الأجور الفعلية وتحوّلت السوق تدريجيًا إلى مساحة يملك فيها أصحاب السيولة النقدية أفضلية واضحة على أصحاب المداخيل المنتظمة. وهكذا، لم يعد السؤال كم يبلغ ثمن المنزل، بل من يستطيع شراءه من دون أن يملك ثمنه كاملًا نقدًا؟
أما من لا يستطيع التملّك، فيجد نفسه أمام سوق إيجارات لا توفر دائمًا معلومات كافية عن الأسعار، ولا تضمن بالضرورة استقرارًا طويل الأجل. وبذلك، لم يعد الإيجار مرحلة مؤقتة لدى كثيرين، بل أصبح نمطًا سكنيًا قد يمتد سنوات من دون أن يقود إلى أي أفق واضح.
سعر بلا قدرة
تكشف بيانات البنك الدولي عن جانب من التحوّل الذي أصاب السوق. فقد قدّر عدد الوحدات السكنية في لبنان بنحو 1.65 مليون وحدة عام 2024، وكانت الشقق تشكّل النسبة الأكبر منها، فيما بلغت حصة الوحدات المؤجرة نحو 18.4 في المئة. وفي العام نفسه، بقيت أسعار العقارات بالدولار عند مستويات أدنى بنحو النصف من مستويات ما قبل الأزمة، لكن التقرير ربط ذلك أيضًا بمحدودية المعاملات، لا بتحسن القدرة الشرائية للأسر.
هذا التفصيل يغيّر طريقة قراءة السوق. فتراجع السعر الاسمي لا يعني تحسّن القدرة على الشراء عندما يكون دخل الأسرة قد فقد جزءًا كبيرًا من قيمته، وحين تتقلص فرص الاقتراض وتصبح الدفعة الأولى عبئًا لا يمكن تجميعه بسهولة. وقد باتت السوق أكثر ملاءمة لمن يمتلك السيولة، وأقل قدرة على استيعاب الموظف أو الشاب الذي يعتمد على راتب شهري وتمويل طويل الأجل.
ولا ينبغي الخلط بين حركة التسجيل العقاري وبين التعافي الفعلي. فقد ارتفع عدد المعاملات العقارية المسجلة في 2025 إلى 70,981 معاملة، مقابل 36,382 في 2024، وزادت قيمة المعاملات إلى نحو 6.16 مليارات دولار. لكن وحدة الأبحاث الاقتصادية في مصرف الاعتماد اللبناني أوضحت أن جانبًا كبيرًا من هذا الارتفاع نتج من إنجاز معاملات متراكمة بسبب إقفال دوائر عقارية وتعطلها خلال فترات سابقة. لذلك لا يمكن اعتبار الزيادة دليلًا كافيًا على عودة الطلب السكني أو استعادة الأسر قدرتها على الشراء.
وفي سوق الإيجارات، تظهر مشكلة أخرى: نقص المعلومات. ففي 21 أيلول 2026، أطلق مختبر بيروت الحضري، بالتعاون مع مختبر نمو بيروت، مؤشرًا استرشاديًا للإيجارات في رأس بيروت، يغطي الحمرا والمنارة وعين المريسة وجون بلاط، ويتيح مقارنة الأسعار بحسب مساحة الشقة وموقعها وجودتها وخصائصها. وقد أقرّ معدّو المؤشر بأن سوق الإيجارات تفتقر إلى مراجع مركزية واضحة، وأن الباحثين عن مسكن يعتمدون غالبًا على الأسعار التي يطلبها المالكون والوسطاء، مع انتشار الاتفاقات غير الرسمية.
أهمية هذه المبادرة لا تكمن في أنها قدمت سعرًا عادلًا موحدًا، إذ لا تدّعي ذلك أصلًا، بل في كشفها عن خلل معلوماتي يضع المستأجر في موقع تفاوضي أضعف. فمن الصعب الحديث عن سوق تنافسية عندما لا يستطيع الباحث عن شقة معرفة ما إذا كان السعر المطلوب يتناسب مع شقق مشابهة في الحي نفسه، أو ما إذا كانت الفروقات تعكس الموقع والجودة أم مجرد تفاوت في تقدير المالك.
وتزداد صعوبة الصورة عند إدخال أضرار الحرب في الحساب. فتقييم البنك الدولي السريع للأضرار والاحتياجات، الذي غطّى الفترة بين 8 تشرين الأول 2023 و20 كانون الأول 2024، قدّر عدد الوحدات السكنية المتأثرة بنحو 162,900 وحدة، بينها 45,400 مدمّرة بالكامل، فيما بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع السكن نحو 6.3 مليارات دولار. هذه الأرقام لا تمثل حصيلة أضرار أي تطورات لاحقة على الفترة التي شملها التقييم، لكنها تظهر حجم الضغط الذي أضيف إلى سوق كانت تعاني أصلًا من ضعف التمويل وتراجع القدرة على الوصول إلى مسكن ملائم.
الرقم الفعلي
منذ إعلان وزير المال ياسين جابر، في أيلول 2026، عن تخصيص نحو 66 مليون دولار للإسكان ضمن مشروع موازنة 2027، عاد الأمل بإحياء القروض السكنية بعد سنوات من التوقف. وقد تحدث رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمؤسسة العامة للإسكان روني لحود عن برنامج يحتاج إلى نحو 100 مليون دولار لتمويل قرابة 1,400 قرض، بسقف يصل إلى 100 ألف دولار للقرض، وفائدة مقترحة تبلغ 3.5 في المئة، وفترة سداد قد تمتد إلى عشرين سنة. لكن التصريح الأول نفسه أشار إلى أن مبلغ 66 مليون دولار قابل للمراجعة في ضوء الضغوط المالية والمطالبات بزيادة الإنفاق العام.
وعندما انتقل النقاش من التصريحات إلى جداول مشروع الموازنة المحال إلى مجلس النواب، ظهرت صورة مختلفة. ففي الصفحة 612 من النسخة الرسمية، وتحديدًا ضمن اعتمادات المؤسسة العامة للإسكان في وزارة الشؤون الاجتماعية، أُدرج مبلغ قدره 2,117.5 مليار ليرة للقروض السكنية للمواطنين. وباحتسابه على سعر الصرف الرسمي البالغ 89,500 ليرة للدولار، يعادل نحو 23.66 مليون دولار.
أما المبلغ البالغ ألف مليار ليرة، الوارد في البند نفسه، فهو مخصص لقروض الطاقة الشمسية، وليس جزءًا من التمويل المرصود لشراء المساكن أو بنائها أو ترميمها. ويعادل هذا الاعتماد نحو 11.17 مليون دولار. ومن الضروري الفصل بين البندين، لأن جمعهما تحت عنوان واحد يوحي خطأً بأن التمويل السكني أكبر مما هو وارد فعليًا في الجدول.
بهذا الحساب، يكون الاعتماد السكني في النسخة المحالة إلى المجلس أدنى بنحو 64 في المئة من مبلغ 66 مليون دولار الذي أُعلن عنه في أيلول. ولا يشرح جدول الاعتمادات وحده أسباب هذا التراجع أو مراحل المراجعة التي أفضت إليه، لكنه يحسم ما يمكن اعتباره الرقم المرجعي الحالي: نحو 23.7 مليون دولار للقروض السكنية، لا 66 مليونًا.
والفارق لا يتوقف عند المقارنة المحاسبية. فالمؤسسة كانت قد تحدثت عن برنامج بقيمة 100 مليون دولار يتيح تمويل قرابة 1,400 قرض، بمتوسط يتراوح بين 70 و75 ألف دولار. وإذا افترضنا أن كامل الاعتماد الحالي سيوجّه إلى القروض المباشرة، وبالمتوسط نفسه، ومن دون احتساب النفقات الإدارية أو أي كلفة تمويلية أخرى، فإن المبلغ يكفي نظريًا لنحو 315 إلى 338 قرضًا فقط. وهذا تقدير حسابي توضيحي، لا عدد قروض تعهدت المؤسسة بمنحها؛ فالقدرة الفعلية تتوقف على آلية التمويل وشروط السداد وإمكان إعادة تدوير الأموال المستردة.
هنا يتغير وزن الإعلان السياسي. فإعادة فتح باب القروض خطوة مهمة، لكن حجم الاعتماد لا يقترب من البرنامج الذي طُرح في البداية، ولا من حجم الطلب الذي تراكم خلال سنوات التوقف. وقد ذكرت المؤسسة أنها أنجزت نحو 35 ألف معاملة من المرحلة السابقة، فيما لا يزال نحو 50 ألف ملف قيد الإنجاز. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع أصحاب هذه الملفات مؤهلون تلقائيًا للاستفادة من البرنامج الجديد، لكنها تشير إلى أن الطلب لا يبدأ من الصفر، وأن التمويل المتاح يحتاج إلى معايير دقيقة لتحديد الأولويات.
كما لا يجوز التعامل مع الفائدة البالغة 3.5 في المئة، وسقف القرض البالغ 100 ألف دولار، وفترة السداد لعشرين عامًا، باعتبارها شروطًا نافذة. إنها معالم البرنامج الذي طرحته إدارة المؤسسة، فيما تبقى شروط الاستفادة والآلية التنفيذية مرتبطة بإقرار الاعتماد المالي واستكمال القرارات التنظيمية. وفي 2 تشرين الثاني 2026، أفادت رئاسة الجمهورية بأن رئيس المؤسسة أطلع الرئيس جوزاف عون على التحضيرات الجارية لمنح القروض بعد إقرار الموازنة وصدورها، وهو ما يؤكد أن البرنامج لا يزال في مرحلة الإعداد، لا في مرحلة استقبال الطلبات وتنفيذ القروض.
عقدان وقانون
لا تقتصر هشاشة السكن على التمويل. فالمستأجر والمالك يواجهان نظامًا قانونيًا متشعبًا، تشكّل عبر تعديلات متلاحقة لم تنجح في إنهاء النزاعات أو تثبيت قواعد مستقرة يتصرف الجميع على أساسها.
فالعقود السكنية السابقة على 23 تموز 1992 تخضع لنظام الإيجارات القديمة وفق قانون الإيجارات الذي عُدّل بالقانون رقم 2/2017. وقد نصت المادة 15 من هذا القانون على تمديد العقود تسع سنوات، واثنتي عشرة سنة للمستفيدين من تقديمات الصندوق، مع آليات تدريجية لزيادة بدلات الإيجار وتحديد بدل المثل. لكن الخلافات حول تطبيق الأحكام والمهل، إلى جانب النزاعات المرتبطة باللجان والصندوق، أبقت شريحة من المالكين والمستأجرين في حالة عدم يقين.
أما العقود اللاحقة لتاريخ 23 تموز 1992، فتخضع للمادة 543 من قانون الموجبات والعقود بصيغتها المعدّلة بالقانون رقم 159/1992، التي تقرّ مبدأ حرية التعاقد ضمن أحكام إلزامية، أبرزها اعتبار مدة الإيجار ثلاث سنوات إذا كانت المدة المحددة في العقد أقل من ذلك، مع استثناءات قانونية محددة. وهذا يعني أن الحديث عن سوق إيجارات واحدة، بقواعد متماثلة لجميع العقود، لا يعكس الواقع القانوني اللبناني.
المشكلة أن غموض التطبيق لا يضر المستأجر وحده. فالمالك يحتاج إلى تحصيل بدل يعكس القيمة الاقتصادية لعقاره، وإلى قواعد واضحة لاسترداده أو تجديد عقده، فيما يحتاج المستأجر إلى حماية من الإخلاء غير القانوني والزيادات التي تفوق قدرته. وحين تتأخر المؤسسات القضائية والإدارية في حسم النزاعات، تتحول العلاقة الإيجارية من عقد اقتصادي محدد الحقوق والالتزامات إلى مصدر توتر اجتماعي دائم.
وقد رصدت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، في تقريرها السنوي عن 2025، استمرار تدهور الحق في السكن في ظل غياب سياسة إسكان وطنية شاملة، واتساع الخلافات التشريعية والقضائية المتعلقة بقوانين الإيجارات، فضلًا عن المخاطر التي تواجه الأسر منخفضة الدخل واللاجئين والعمال المهاجرين نتيجة ارتفاع بدلات الإيجار وتراجع القدرة الشرائية وضعف الحماية الاجتماعية. وهي إشارة إلى أن المسألة لم تعد شأنًا تعاقديًا محضًا، بل باتت مرتبطة بالاستقرار الاجتماعي وبقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة.
سياسة غائبة
إعادة تفعيل المؤسسة العامة للإسكان لا يمكن أن تكون خطة الإسكان الوطنية. فالقروض، مهما بلغت قيمتها، تخدم أساسًا من يمتلك دخلًا منتظمًا وقدرة على تسديد الأقساط، بينما هناك فئات لا تستطيع الاقتراض أصلًا: أسر منخفضة الدخل، وشباب يعملون بعقود غير مستقرة، وأشخاص فقدوا مساكنهم، وعائلات تحتاج إلى إيجار ميسّر لا إلى قرض طويل الأجل.
يحتاج لبنان إلى سياسة تجمع بين مسارين لا يحل أحدهما محل الآخر: تمويل التملّك من جهة، وتطوير سوق إيجارات مستقرة وميسّرة من جهة ثانية. وفي المسار الأول، ينبغي توجيه القروض إلى مشتري المسكن الأول، ووضع سقوف مرتبطة بمستوى الدخل وقيمة العقار، ومنع تحول التمويل المدعوم إلى زيادة إضافية في أسعار الشقق. كما يجب نشر شروط الاستفادة، وعدد الطلبات المقبولة والمرفوضة، وقيمة القروض الممنوحة، ومصادر التمويل، وآلية استرداد الأقساط وإعادة تدويرها.
وفي المسار الثاني، لا بد من تشجيع تطوير مساكن مخصصة للإيجار طويل الأجل، وتوفير دعم إيجاري موجّه للأسر التي تنفق نسبة مرتفعة من دخلها على السكن، وتأهيل الأبنية القائمة القابلة للاستخدام، وربط مشاريع الإسكان بالنقل العام وفرص العمل والمدارس والخدمات الأساسية. فالشقة الأرخص في منطقة بعيدة عن العمل قد تتحول إلى مسكن أعلى كلفة عندما تُضاف إليها نفقات التنقل والوقت والخدمات.
ومن الضروري أيضًا إنشاء قاعدة بيانات وطنية لسوق السكن، تشمل أسعار البيع والإيجار الفعلية، والمخزون المتاح، والوحدات المتضررة والقابلة للترميم، وتوزع الطلب بحسب المناطق ومستويات الدخل. فغياب هذه المعلومات يجعل الدولة عاجزة عن تحديد حجم الفجوة السكنية أو توجيه الدعم إلى المكان والفئة المناسبين. ولا يمكن لأي مؤشر محلي، مهما كانت جودته، أن يحل محل نظام وطني منتظم للبيانات.
أما إعادة الإعمار، فيجب ألا تتحول إلى برنامج لإعادة إنتاج الخلل العمراني نفسه. فاحتياجات السكن التي قدّرها البنك الدولي بنحو 6.3 مليارات دولار لا تتعلق بإعادة بناء الجدران وحدها؛ إنها تشمل استعادة بيئة سكنية قابلة للحياة، من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي إلى الطرق والمدارس والخدمات البلدية. وإذا بقيت إعادة البناء منفصلة عن التخطيط والتنظيم والقدرة على الوصول إلى العمل، فقد تعود الوحدات العقارية فيما تبقى الحياة خارجها معطلة.
في بلد يفتقر إلى التمويل العقاري وإلى سياسة إيجار واضحة، لا يكفي أن تعلن الحكومة عن عودة القروض لتقول إنها عالجت أزمة السكن. فالمعيار ليس عدد الملفات التي ستُفتح في المؤسسة، وإنما عدد الأسر التي ستتمكن من الحصول على مسكن مناسب من دون أن يبتلع الإيجار معظم دخلها، أو يضع القرض مستقبلها المالي تحت ضغط لا تستطيع احتماله.
وقد يكون القرض بداية طريق إلى البيت، لكنه لا يستطيع أن يكون الطريق الوحيد. فالدولة التي تختزل سياسة الإسكان في تمويل مشتري الشقق تترك خارج حساباتها كل من لا يملك شروط الاقتراض، وتحوّل السكن من مكوّن أساسي للاستقرار الاجتماعي إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية.
ليس الخطر أن يبقى اللبناني مستأجرًا؛ فالاستئجار خيار سكني طبيعي في اقتصادات كثيرة. الخطر أن يصبح الإيجار عقدًا بلا أفق، وأن يغيب عن السوق ما يضمن للمستأجر الاستقرار وللمالك حقه، فيما تكتفي الدولة بإعلان قروض لا تكفي لحجم الفجوة التي يفترض بها أن تعالجها.






















































