انضمّت ​الانتخابات الطالبية​ الجامعية إلى السجالات المتنقلة التي لا تنتهي بين "​التيار الوطني الحر​" وحزب "القوات اللبنانية"، على خلفية الصراع غير المستتر بينهما والذي يتجلى بوضوح في مفاوضات تأليف الحكومة الجديدة.
فبعد الانتخابات التي شهدتها الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة سيدة اللويزة الجمعة، والتي جاءت بعد أخرى شهدتها الجامعة اللبنانية الأميركيّة قبل أسبوع، خرج رئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​ ليحتفل بما وصفه بـ"الانتصار"، متوجّهاً إلى رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية ​جبران باسيل​ بالقول إنّ هذه الانتخابات عيّنة عن التمثيل الشعبي، "ومن له أذنان سامعتان فليسمع".
وبمعزل عن "المغالطات الانتخابيّة" التي وردت في كلام جعجع كما أوضح "التيار"، فإنّ علامات استفهامٍ تُطرَح عمّا إذا كانت الانتخابات الطالبيّة تعكس فعلاً التمثيل الشعبي، أم أنّ لها حساباتها وظروفها الخاصة، وأبعد من ذلك، عمّا إذا كان بالإمكان توظيفها في السياسة، وتحديداً في الحكومة العتيدة...

حسابات مختلفة


في البداية، لا شكّ أنّ الانتخابات الطالبية تُعتبَر من الركائز الأساسية التي ينبغي أن تتوافر لطلاب الجامعات في لبنان، وتشكّل عملياً التجربة الجدية الأولى لجيلٍ كاملٍ في ممارسة الانتخابات بكلّ ديمقراطية، وتلعب بذلك دوراً جوهرياً في تحفيز الشباب على الانخراط في العمل السياسي، وبالتالي إنضاج وعيه بحقوقه وواجباته على أكثر من مستوى.
وانطلاقاً من ذلك، ليس عيباً أبداً أن تكون السياسة حاضرة بقوة في الجامعات اللبنانية، كما يحاول البعض الإيحاء، كون هذه الجامعات هي في النهاية عبارة عن مجتمع لبناني مصغَّر، لا نقاش في أنّ للسياسة ثقلها غير البسيط فيه، إلا أنّ الصحيح أيضاً، والذي لا يجدر تجاهله أو الاستخفاف به، أنّ الحسابات التي تتحكّم بالانتخابات الطالبية الجامعية لا تقتصر على العوامل السياسية.
لا يعود ذلك بطبيعة الحال لكون الأحزاب السياسية غير قادرة على ممارسة اللعبة السياسية بأسمائها الواضحة داخل الجامعات، وأنّها تتحوّل في معظم الأحيان إلى نوادٍ طالبيّة بأسماء أخرى، ولكن معروفة الميول والاتجاهات، إلا أنّ عوامل عديدة تتحكّم بالانتخابات الطالبية وبنتائجها، أولها وربما أهمّها تداخل العامل السياسي مع العوامل المرتبطة بالصداقات الشخصية وكذلك بالعمل الجامعي بحدّ ذاته، وبالتالي بالبرنامج الانتخابي الذي يخوض الطلاب الاستحقاق على أساسه، والوعود التي يقدّمونها لزملائهم الطلاب لتحسين الخدمات المُتاحة لهم، أو الضغط لخفض الأقساط وما إلى ذلك.
وإلى جانب كلّ هذه العوامل، لا مبالغة في القول إنّ مقارنة النتائج بين جامعة وأخرى قد لا تستقيم، نظراً لتباين القوانين الانتخابية بين جامعةٍ وأخرى، ففيما استنسخت جامعة سيدة اللويزة مثلاً قانون الانتخابات النيابية بحرفيّته وطبّقته على طلابها، اعتمدت الجامعة الأميركية قانون النسبية مع الصوت التفضيلي ولكن بمعايير مختلفة كلياً، فيما حافظت الجامعة اللبنانية الأميركية على القانون الأكثري وفق مبدأ الصوت الواحد (OnePerson, One Vote). ويدخل اختلاف هيكليّة وموقع كلّ جامعة ضمن المعايير التي يمكن أن تتحكّم بنتائجها أيضاً، باعتبار أنّ ذلك يمكن أن يؤدّي إلى طغيان حضور شريحة معيّنة في جامعة محدّدة، وقد يكون الدليل على ذلك أنّ بعض القوى تقود المعركة في جامعة، فيما تصبح ملحقة بغيرها، أو لا تخوضها من الأساس في جامعة أخرى.

ما شأن الحكومة؟


عموماً، وبمعزل عن الاختلاف في قراءة الانتخابات الطالبيّة ونتائجها، وذهاب معظم الفرقاء لادعاء "الانتصار"، وهو ما تجلّى من خلال السجال بين "القوات" و"التيار"، وما يحصل سنوياً في العديد من الجامعات، تُطرَح تساؤلات عن ترجمة مثل هذه "الانتصارات" على الواقع السياسي الداخليّ، وما إذا كان بالإمكان توظيفها لتحسين موقع من هنا، أو رفع سقف من هنالك.
خلال استقباله وفداً من الطلاب "القواتيين" الفائزين في انتخابات عدد من الجامعات الخاصة، قال جعجع إن "زمن الانتصارات أتى"، وسارع للدعوة إلى ترجمة ذلك، باعتباره "رداً على التضليل الحاصل في الرأي العام وخصوصاً على أبواب تأليف الحكومة العتيدة، باعتبار أنّ الهدف الوحيد ممّا هو حاصل هو تقليص تمثيل القوات في الحكومة الجديدة كي يُفتَحَ لهم المجال للقيام بما كانوا ينوون القيام به في الحكومة المستقيلة ولم يستطيعوا".
وإذا كان من حق جعجع أن يسعى إلى استثمار أيّ إنجاز في العمل السياسي الآني، وهو اليوم تأليف الحكومة، خصوصاً في ضوء ما يعتبرها "حملة" تستهدف تمثيل "القوات اللبنانية" فيها، بل محاولات البعض "إحراجها فإخراجها" من الحكومة، فإنّ توظيف نتائج الانتخابات الجامعيّة لتحسين الموقع التفاوضي على أبواب تأليف الحكومة لا يبدو في مكانه، خصوصاً أنّ البلاد خرجت للتو من انتخابات نيابيّة، وبالتالي فهي ليست بحاجة لانتخابات جامعيّة تتحكّم بها معايير مختلفة لاستنتاج اتجاهات التمثيل الشعبي وترجمتها على المستوى السياسي.
لكن في مقابل هذا الرأي، ثمّة رأيٌ آخر يقول إنّ الانتخابات الطالبيّة، التي قد لا تكون كافية وحدها لعكس التمثيل الشعبي الحقيقي بشكلٍ كاملٍ ومطلقٍ، إلا أنّها بتثبيتها لنتائج الانتخابات النيابيّة الأخيرة يمكن أن تكون معبّرة. ومن هذا المنطلق، يعتبر "القواتيون" أنّ هذه الانتخابات تكمّل "الانتصار" الذي تحقّق في الانتخابات النيابيّة، والذي يحاول البعض تحجيمه والتقليل من وقعه، من خلال حرمان "القوات" من تمثيلها العادل والمتوازن في الحكومة، وهو رأيٌ يردّ عليه "العونيّون" بالقول إنّ أيّ معيارٍ حكوميّ لا يمكن أن يساوي حصّة "القوات" مع تكتلٍ يضمّ ضعف عدد النواب "القواتيين"، بموجب علم الرياضيات والمنطق بالحدّ الأدنى.

"الخطيئة"


قد تكون الانتخابات الطالبيّة أكثر شفافيّة وحقيقيّة من الانتخابات العامة في بلدٍ كلبنان، رغم أنّ المخالفات التي يمكن رصدها فيها تكاد تكون مشابهة لما يحصل خلال الانتخابات النيابيّة، من أشكال الضغوط على الناخبين، إلى النظام الانتخابي الذي لا يستند في الكثير من الأحيان إلى معايير موحّدة وعادلة، من دون أن ننسى حجم الدوائر الانتخابية التي تعاني بشكلٍ عام من صغرها.
وإذا كان لهذه الانتخابات رونقها وبصمتها الخاصة، التي قد تتفوّق في كثير من المحطّات على أيّ انتخابات أخرى، يبقى من غير المُتاح القول بأنّ نتائج هذه الانتخابات تلخّص صورة المجتمع، خصوصاً أنّها تأتي أحياناً "متناقضة" بين جامعة وأخرى، فضلاً عن أنّ التحالفات التي تُركَّب تختلف بدورها بين مكانٍ وآخر، بما يعكس المصلحة الشخصيّة والسياسيّة لهذا الطرف أو ذاك.
المقصود من كلّ ذلك ليس الدعوة إلى فصل السياسي عن الأكاديمي، لأنّ منع السياسة في الجامعات يشكّل "الخطيئة" لا العكس، بل المطلوب بكلّ بساطة عدم تحويل الجامعات إلى حلبة صراعات وسجالاتٍ مضافة، وإنما جعلها نموذجاً يُحتذى في غنى الاختلاف، بعيداً عن أيّ توظيف أو استغلالٍ يجرّها إلى مستنقع يضرّ أكثر ممّا يفيد...