الإنسان الذي يتجوّل من مكان الى آخر طالبا المساعدات يوصف ويُدعى ويُنعت بالمتسوّل. وكذلك الدولة.

عندما تهرول دولة ما الى سنّ قانون انتخاب لا مثيل له في أيّ بلد بالعالم بهدف اجراء انتخابات نيابيّة "لإنقاذ الوضع الاقتصادي "فينتج عنه مجلسا نيابيا لا يشبه "النسبيّة" الفعليّة سوى بالاسم، فهي دولة تتسوّل من شعبها "الديمقراطية". استحصلت أحزابها على الدعم المالي الانتخابي الخارجي بعضهم فعلا تسوّلوه.

عندما تُشكّل حكومة بيانها الوزاري "ملغوم" بعناوين عريضة دون رؤى وخطط تنفيذيّة لسياسات اقتصادية ومالية ودفاعية واجتماعية، فنجدها تتقاذف اتهامات تاريخيّة، وتجوب العالم من مؤتمر الى آخر لجلب "مساعدات" لا بل هي قروض إضافيّة تحمّل الدولة ديونا بمليارات الدولارات، فهي دولة تتسوّل.

اللافت أن المساعدات الحالية هي قروض طويلة الأجل مشروطة بإصلاحات. هذا ما فرضه مؤتمر "سيدر" وهذا ما سيفرضه "مؤتمر بروكسيل".

لبنان يضع نفسه تحت مقصلة الوصاية الإقتصادية. هذا هو الواقع. ولكن، ما هي مخاطر تلك الوصاية وتداعياتها على الدولة ماليا وسياسيا في المدى البعيد؟. السياسة المالية تفرض خططا تُحدد فيها سقوف الإنفاق والاقتراض لفترة زمنية وعلى الحكومات المتعاقبة الالتزام والتقيد بها. لا سياسة اقتراض في لبنان. خطّة "ماكينزي" ليست وحدها الطريق للنهوض بالاقتصاد اللبناني. السياسة الضريبيّة هي الأنشط. يبدو ان الدولة تسعى لسداد ديونها من جيوب شعبها. ماذا عن الدولة المنتجة؟ ثرواتنا تهدر. أوّلها النفط. لبنان بلد غني بثرواته البشرية والطبيعية ولكن دولتنا اعتادت التسوُّل. الزراعة، الصناعة، السياحة، المصارف، الطب، التعليم، الثقافة، العقارات، الطاقات البديلة، قطاعات قد تدرّ الثروات على الدولة لو عرف المسؤولون كيفية الاستثمار فيها وإدارتها. يُفتح اليوم ملفّ الفساد على مصراعيه. ايرادات بمليارات الدولارات حصلت عليها الدولة اللبنانيّة على مدى عقود، أغلبيتها قروض منحت لحكومات ووزارات تبيّن انها تبخّرت .يدور الحديث اليوم عن أن بعض الدول المانحة في "مؤتمر سيدر" تدرس سحب اقتراحاتها الماليّة بعدما تبيّن لها قِصر الدولة اللبنانيّة عن تحقيق الإصلاحات المطلوبة منها. حديث فيه من الصحة الكثير. ولكن، تشير بعض المعلومات أيضاً أنّ جهات غربيّة حذّرت بعض الدول الأوروبية من الانزلاق في الإقراض اللبناني بسبب تزايد خطر الحرب العسكريّة الإسرائيليّة على لبنان التي قد تكون غير آحاديّة الجانب فحسب بل وقد يتحالف معها بعض الدول العربية والاجنبية بذريعة الحرب على "حزب الله".

اعلان بريطانيا ادراج "حزب الله" بجناحه السياسي، كما تسمّيه، اضافة الى جناحه العسكري على قائمة الإرهاب لديها مقدِّمة لأمر ما. أعلن أمين عام الحزب سماحة السيّد حسن نصرالله أنه من المتوقع أن تظهر قوائم أيضًا في دول أخرى.

قد تكون التحذيرات بالحرب جدّية، فتتراجع بعض الدول المانحة عن وعودها الماليّة متسلّحة بذريعة أخرى وهي "الفساد" في لبنان.

من جهة أخرى، قد تكون التحذيرات المذكورة آنفاً أساليب نفسيّة هدفها أن تتتج من ضمن الحرب الاقتصاديّة التي تُمارس على الجمهورية الاسلاميّة الإيرانيّة والممتدة الى "حزب الله" اللبناني خناقاً ماليًّا على الحكومة اللبنانية، فتتراجع بعض الدول عن قروضها الماليّة خوفا من تبديد أموالها لقوة قاهرة .

في ظلّ المؤشرات التي تؤكد أن الوضع الاقتصادي في لبنان على حافة الخطر، يتبين ان الحكومة اللبنانيّة غير قادرة على وضع خطط استنهاض وانقاذ واستثمار وتنمية.

فلتمارس الدولة وصايتها على ذاتها بدل أن تُفرض الوصاية الخارجية عليها. ولتكن دولة فاعلة بدل أن تكون متسولة.

من حقّ اللبناني أن يسأل، لماذا يبقى مصيره بأيدي أفراد، وزراء ونواب كلٌ يغني على ليلاه، فيغرق لبنان في عتمات ليل الظلام والظلم الاجتماعي؟.

لماذا لا تُعلَن حالة الطوارئ الإقتصاديّة والماليّة؟ ولتُشكّل هيئات إنقاذ وطنيّة تضمّ خبراء محليين ودوليين مستقلّين مهمّتهم وضع سياسات تنموية طويلة الأمد ملزمة، وما على الحكومات والوزراء الا التنفيذ تحت طائلة المساءلة والرقابة البرلمانيّة والقضائيّة والمجتمعيّة المدنيّة.

الدستور والنظام السياسي في لبنان يسمح بهذه الثورة الإدارية، فهل تسمح به كلّ الأحزاب؟!.